بعد 43 عامًا … «إسلام الضائع» يعود إلى جذوره الحقيقية بين مصر وليبيا
تحقيق : أحمد عبد الحليم
لم تكن القصة مجرد واقعة اختفاء طفل، بل لغز إنساني معقد امتد لأكثر من أربعة عقود، بدأ من داخل مستشفى الشاطبي بالإسكندرية، وانتهى بكشف صادم أعاد ترتيب هوية شاب عاش حياته كاملة باسم مختلف.
فبعد سنوات طويلة من الغياب، عاد الشاب المعروف إعلاميًا بــ «إسلام الضائع» إلى أسرته الحقيقية، لتُفتح من جديد صفحة طُويت ظاهريًا منذ ثمانينيات القرن الماضي، بينما ظلت أسئلتها معلّقة حتى اليوم.
تعود بداية القصة، إلى داخل مستشفى الشاطبي بالإسكندرية في ثمانينيات القرن الماضي، حيث وُضع طفل في الحضانة لأسباب قهرية آنذاك، وتلقت أسرته من المستشفى خبرًا يفيد بوفاته ودفنه، وهو ما أغلق الملف رسميًا في تلك المرحلة، دون أن يُنهيه على المستوى الإنساني، إذ بقيت ملابسات ما حدث محل تساؤل، وظل إحساس الأم بأن طفلها لا يزال على قيد الحياة هو الخيط الرفيع الذي لم ينقطع طوال أربعة عقود.
انتقال بين بلدين
بعد فقدان الأمل في العثور على الطفل، انتقلت الأسرة إلى ليبيا واستقرت هناك لسنوات طويلة، قبل أن تعود خيوط القضية للظهور مجددًا عبر الوسائط الرقمية الحديثة، في سياق ربط بين جغرافيا متباعدة وزمن ممتد أعاد فتح الملف بعد عقود.
روايات بلا حسم
ارتبطت القضية إعلامياً ودرامياً بسرديات حول وقائع خطف نُسبت لسيدة عُرفت بلقب «عزيزة بنت إبليس»، والتي توفيت لاحقًا، شملت حالة «إسلام». ورغم هذا التداول، يظل الملف قانونياً مفتوحاً دون أحكام باتة أو بيانات رسمية تؤكد الملابسات، مما يُبقي الواقعة في إطار التقصي الإعلامي دون توثيق قضائي نهائي.
امتداد عائلي واسع
وفق نتائج تحليل البصمة الوراثية (DNA) التي أُعلن عنها ضمن التطورات الحديثة للقضية، تبيّن أن «إسلام» ينتمي إلى هذه العائلة، في أول دليل علمي حاسم على هويته بعد عقود من الغموض. وبحسب تصريحاته، إلى جانب إفادات شقيقه رفعت وعدد من أقاربه خلال بثوث ومداخلات إعلامية، فإن اسمه الحقيقي هو «محمد بن ميلاد رزق صالح محمد بيضاوي»، وينتمي إلى عائلة ذات أصول ليبية تقيم في منطقة العامرية غرب الإسكندرية، ولها امتدادات داخل ليبيا.
وتضم العائلة 20 شقيقًا وشقيقة، بينهم 9 ذكور و11 إناث، ويحتل «إسلام» الترتيب الرابع بينهم، مع امتداد نسبي يعود إلى قبيلة «حرب بن عقار بن شريف»، التي استقرت في مصر منذ نحو 250 عامًا، مع استمرار الروابط العائلية عبر الحدود حتى الأجيال القريبة.
لحظة نتيجة DNA
وأشار «إسلام» إلى أن لحظة اكتشاف النتيجة جاءت عبر تحليل DNA بشكل مفاجئ، حيث تلقى النتيجة في ساعة متأخرة من الليل، قبل أن يتبعها اتصال غيّر مسار حياته بالكامل، واصفًا هذه اللحظة بأنها حملت صدمة مركبة، جمعت بين الفرح بالعثور على الجذور الحقيقية والذهول من حجم التحول في الهوية.
رحلة البحث عن الهوية
لم تكن تلك اللحظة وليدة الصدفة، بل جاءت تتويجاً لرحلة بحث مضنية خاضها «إسلام» منذ صباه، استنزف خلالها كافة مدخراته المالية في سبيل استرداد هويته المفقودة؛ حيث أجرى تحاليل البصمة الوراثية (DNA) مع حوالي 54 أسرة محتملة في محاولات باءت جميعها بالفشل. ورغم قسوة النتائج السلبية المتكررة، إلا أن الجانب اللافت في شهادته كان يتمثل في «الاستجابة الفطرية»؛ إذ لم يشعر في أي من المحاولات السابقة برابط نفسي أو انفعالي تجاه تلك الأسر، بينما كان الوضع مغايراً تماماً مع عائلته الحقيقية، حيث أكد أن شعوراً باليقين والانتماء تملّكه منذ اللحظة الأولى للتواصل وقبل ظهور النتيجة المخبرية، وكأن نداء الدم كان المحرك الأقوى خلف بوصلته التي لم تخطئ وجهتها هذه المرة.
تزامن مع الميلاد
يروي «إسلام» بذهول تلك المفارقة القدرية التي جمعت بين لحظة الوصول للحقيقة وتاريخ ميلاده، قائلاً: «لم يكن يوماً عادياً؛ ففي 17 من أبريل، اليوم الذي ولدتُ فيه، ولدتُ من جديد بهويتي الحقيقية». وهي المصادفة التي يصفها في حديثه بأنها تحمل أبعاداً نفسية عميقة، حيث تداخلت فيها ذكرى ميلاده القديم مع لحظة اكتشاف جذوره، لتتحول من مجرد مفارقة زمنية إلى ذكرى لا تُنسى في مسار حياته.
هوية مكتسبة
أبدى «إسلام» تمسكه بالاسم الذي عاش به طوال حياته، رغم اكتشاف هويته الحقيقية، مُعتبرًا أن الاسم المكتسب أصبح جزءًا من تجربته الشخصية وتكوينه النفسي والاجتماعي، في حالة تعكس تداخلًا بين الهوية الأصلية والهوية المكتسبة.
دور المنصات الرقمية
ساهمت منصات التواصل الاجتماعي، في إعادة فتح ملف القضية بعد سنوات طويلة من النسيان، حيث لعبت الفيديوهات الشخصية دورًا في لفت انتباه الأسرة الأصلية التي تعرّفت على ملامح تشابه عائلي، ما أدى إلى بدء التواصل، قبل أن تتوسع القصة لاحقًا عبر المحتوى الرقمي والأعمال الدرامية التي أعادت تسليط الضوء عليها على نطاق واسع.
تساؤلات قائمة
تفتح هذه القضية بابًا واسعًا أمام تساؤلات تتعلق بملفات اختفاء الأطفال في فترات سابقة، وآليات العمل داخل بعض المؤسسات الطبية آنذاك، ومدى إمكانية وجود حالات مشابهة لم تُكشف بعد، إلى جانب الدور المتنامي لتقنيات تحليل الحمض النووي (DNA) في إعادة فتح ملفات تاريخية ظلت مغلقة لعقود، دون وجود بيانات رسمية منشورة تفيد بإجراء مراجعة شاملة لهذه الملفات.
وعلى الصعيد الشخصي، انعكست أزمة الهوية بظلالها على تفاصيل حياة «إسلام» اليومية؛ فرغم أنه تزوج مرتين ورُزق بطفلة وولدين، إلا أنه ظل يعاني لسنوات طويلة من غياب الأوراق الثبوتية الرسمية، حيث حالت تلك الظروف المعقدة دون استخراجه لبطاقة الرقم القومي. ورغم ما فرضه هذا الوضع من قيود وتحديات معيشية وقانونية، إلا أنه ظل متمسكاً بالصبر والأمل في أن يرشده الله إلى جذوره الحقيقية، معتبراً أن إيمانه بالوصول إلى أهله كان الدافع الوحيد للاستمرار في مواجهة هذا الغموض الممتد.
نهاية مفتوحة
ورغم عودة «إسلام» إلى أسرته الحقيقية بعد 43 عامًا من الغياب، فإن القصة لا تبدو منتهية بقدر ما هي بداية مرحلة جديدة من إعادة بناء العلاقات الإنسانية وفهم الماضي، حيث تختصر عبارته الشخصية حجم التحول الذي يعيشه: «رجعت لأهلي… بس لسه بتعرف عليهم»، بينما يبقى السؤال الأوسع قائمًا: هل تمثل قضية «إسلام الضائع» حالة فردية استثنائية، أم أنها جزء من ظاهرة أوسع لحالات اختفاء أو تبديل هوية لم تُكشف بعد؟













