تحقيقات و تقارير

عندما تتحول الحرب إلى كارثة بيئية

كيف يهدد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران المناخ والإستدامة

كتب : أحمد عبد الحليم

يشهد العالم لحظة فارقة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن الجيوسياسي مع التحديات البيئية والمناخية على نحو غير مسبوق، وفي ضوء التطورات الأخيرة المتمثلة في الهجوم الذي نفذته الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، يبرز بوضوح سؤال جوهري يتعلق بالأثر البيئي والمناخي لمثل هذا التصعيد العسكري في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية مناخياً واعتماداً على البنية التحتية للطاقة الأحفورية.

قال السفير د. مصطفى الشربيني رئيس معهد الاستدامة والبصمة الكربونية والمراقب باتفاقية باريس بالأمم المتحدة و رئيس الكرسي العلمي للبصمة الكربونية والاستدامة بالالكسو بجامعة الدول العربية، إنه من موقعي كخبير دولي في الاستدامة والمناخ، أؤكد أن أي عملية عسكرية واسعة النطاق في بيئة صناعية ونفطية معقدة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن تداعياتها البيئية المباشرة وغير المباشرة، ولا عن انعكاساتها على مسار العمل المناخي العالمي.

و أكد السفير د. مصطفى الشربيني، أن العمليات العسكرية الحديثة تعتمد على منظومات عالية الاستهلاك للطاقة، تشمل الطائرات المقاتلة بعيدة المدى، وحاملات الطائرات، والصواريخ الموجهة، والمركبات البرية الثقيلة، وكلها تستخدم كميات ضخمة من الوقود الأحفوري في فترات زمنية قصيرة. احتراق وقود الطيران وحده ينتج في الطلعة الواحدة أطناناً من ثاني أكسيد الكربون، فضلاً عن أكاسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة، وعند تكرار هذه الطلعات على مدى أيام أو أسابيع تتراكم الانبعاثات بصورة مفاجئة ومركزة. هذه الانبعاثات لا تمثل فقط زيادة كمية في الغازات الدفيئة، بل تمثل أيضاً صدمة بيئية آنية تؤثر في جودة الهواء وصحة السكان في المناطق المستهدفة.

و أضح السفير الشربيني، أنه إذا انتقلنا إلى مستوى آخر من التحليل، فإن استهداف منشآت النفط والغاز أو المصافي أو خزانات الوقود يضاعف حجم المشكلة. احتراق المواد الهيدروكربونية في بيئة مفتوحة يؤدي إلى إطلاق كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون والكربون الأسود والمركبات العضوية المتطايرة. الكربون الأسود على وجه الخصوص يمتلك قدرة عالية على امتصاص الإشعاع الشمسي، ما يسهم في رفع درجات الحرارة محلياً ويؤثر في التوازن الإشعاعي. وفي منطقة الشرق الأوسط، حيث ترتفع درجات الحرارة أصلاً إلى مستويات قياسية خلال فترات الصيف، فإن أي زيادة إضافية في الحمل الحراري قد تضاعف المخاطر الصحية، وترفع الطلب على الطاقة لأغراض التبريد، وبالتالي تزيد الانبعاثات في حلقة متشابكة من التأثيرات.

وأفاد السفير الشربيني، أن الأثر البيئي لا يقتصر على الهواء وحده. حيث أن القصف الذي يطال البنية التحتية الصناعية قد يؤدي إلى تسرب مواد كيميائية ونفطية إلى التربة والمياه الجوفية. هذه الملوثات قد تبقى في البيئة لسنوات طويلة، وتنتقل عبر السلسلة الغذائية، ما يهدد الأمن الغذائي والصحي للسكان. المعادن الثقيلة الناتجة عن الذخائر والمتفجرات يمكن أن تؤثر في خصوبة التربة، وتقلل الإنتاج الزراعي، وتزيد تكاليف المعالجة البيئية لاحقاً. في بيئة تعاني أصلاً من ندرة المياه، فإن أي تلوث إضافي للمصادر المائية يمثل تحدياً استراتيجياً يتجاوز الأبعاد المحلية.

وأشار السفير الشربيني، إلى أنه من منظور مناخي أوسع، فإن التصعيد العسكري في منطقة ذات ثقل نفطي عالمي قد يؤدي إلى اضطراب في أسواق الطاقة، وارتفاع في الأسعار، وربما إعادة ترتيب أولويات بعض الدول في مزيج الطاقة لديها. في حالات سابقة، أدت أزمات الإمدادات إلى عودة مؤقتة لاستخدام الفحم أو الوقود الثقيل لتعويض النقص، وهو ما يعني زيادة إضافية في الانبعاثات العالمية. مثل هذه التحولات، حتى وإن كانت مؤقتة، قد تؤخر تحقيق الالتزامات الدولية المنصوص عليها في اتفاقية باريس للمناخ، وتؤثر في الجداول الزمنية للحياد الكربوني التي أعلنتها العديد من الدول.

وأكد السفير الشربيني، أنه يجب أيضاً النظر إلى التأثير التراكمي لإعادة الإعمار. فالبنية التحتية التي تتعرض للتدمير تحتاج إلى إعادة بناء، وهذه العملية تستهلك كميات كبيرة من الأسمنت والصلب والطاقة، وهي قطاعات معروفة بكثافة انبعاثاتها. وبالتالي فإن الأثر المناخي للحرب لا ينتهي بانتهاء العمليات العسكرية، بل يمتد إلى مرحلة ما بعد النزاع، حيث تتضاعف الانبعاثات نتيجة أنشطة إعادة التأهيل وإعادة البناء. في هذا السياق، يصبح من الضروري التفكير في مفهوم “إعادة الإعمار منخفضة الكربون” كجزء من أي استراتيجية مستقبلية.

كما نوه السفير الشربيني، على أن هناك بعداً إقليمياً لا يمكن تجاهله. حركة الرياح والتيارات الهوائية في المنطقة قد تنقل الجسيمات الدقيقة والملوثات إلى دول الجوار، ما يجعل التأثير عابراً للحدود. وهذا يطرح مسألة المسؤولية البيئية المشتركة، والحاجة إلى تعاون إقليمي لرصد جودة الهواء والمياه وتبادل البيانات البيئية في أوقات الأزمات. إن البيئة لا تعترف بالحدود السياسية، وأي تدهور في منطقة ما قد ينعكس على مناطق أخرى خلال فترة زمنية قصيرة.

وأكد السفير الشربيني، أنه من الناحية الصحية، ترتبط زيادة الجسيمات الدقيقة وأكاسيد النيتروجين بارتفاع معدلات أمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية. في مناطق النزاع، حيث تتعرض الأنظمة الصحية لضغوط هائلة، قد يؤدي التلوث الإضافي إلى مضاعفة العبء على المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية. هذا البعد الإنساني يعزز أهمية إدماج الاعتبارات البيئية ضمن تقييمات المخاطر في أي عملية عسكرية، لافتًا إلى أنه في الإطار الاستراتيجي، أصبح أن الوقت قد حان لإدراج الانبعاثات العسكرية ضمن منظومات القياس والإبلاغ الوطنية للانبعاثات، بما يعزز الشفافية والمساءلة. صحيح أن بعض الدول تعتبر هذه البيانات حساسة لأسباب أمنية، غير أن التحدي المناخي العالمي يتطلب شمولية في القياس لا تستثني أي قطاع. إن تحقيق الحياد الكربوني لا يمكن أن يتم بانتقائية، بل يتطلب احتساب جميع المصادر بما فيها الأنشطة الدفاعية.

وقال السفير الشربيني، إن الربط بين الأمن القومي والأمن المناخي لم يعد خياراً نظرياً، بل ضرورة عملية. النزاعات المسلحة في عصر تغير المناخ قد تضاعف من هشاشة الدول، ليس فقط بسبب الدمار المادي، بل بسبب تدهور الموارد الطبيعية التي يعتمد عليها الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وعندما تتعرض دولة ما لضغوط بيئية متزايدة نتيجة التلوث أو فقدان الموارد، فإن قدرتها على التعافي والاستقرار تتراجع، ما قد يخلق دوائر جديدة من عدم الاستقرار.

وأكد السفير الشربيني، أن إدماج البعد البيئي في مفاوضات وقف إطلاق النار وفي أي ترتيبات مستقبلية أمر حيوي. ينبغي حماية المنشآت البيئية الحساسة ومحطات معالجة المياه و منشآت الطاقة ذات المخاطر العالية، ليس فقط لأسباب إنسانية، بل لأسباب مناخية أيضاً. كما يجب تطوير آليات دولية سريعة لتقييم الأضرار البيئية فور وقوعها، واستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد والأقمار الصناعية لرصد الحرائق والانبعاثات في الوقت الحقيقي، مُشيرًا إلى أن العالم يقف اليوم أمام مفارقة واضحة. من جهة، تتزايد الجهود الدولية لتسريع التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون، ومن جهة أخرى، تندلع نزاعات ترفع الانبعاثات وتدمر البنية التحتية وتؤخر مسار الاستدامة. هذه المفارقة تستدعي إعادة التفكير في مفهوم الأمن الشامل، بحيث يشمل الأمن البيئي والمناخي باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني والدولي.

وتابع السفير الشربيني، إن الهجوم العسكري على إيران لا يمكن تقييمه فقط من زاوية عسكرية أو سياسية، بل يجب النظر إليه أيضاً كحدث بيئي ذي أبعاد إقليمية وعالمية. الأثر المباشر يتمثل في الانبعاثات والتلوث، والأثر غير المباشر يتمثل في اضطراب أسواق الطاقة وتأخير التحول المناخي، أما الأثر طويل الأجل فيتجسد في تكاليف إعادة الإعمار وتدهور الموارد الطبيعية. إن معالجة هذه التحديات تتطلب تعاوناً دولياً حقيقياً، ورؤية استراتيجية تعترف بأن الاستدامة ليست مسألة بيئية فحسب، بل ركيزة للاستقرار والسلام.

وأضاف السفير الشربيني، أن حماية المناخ في زمن النزاعات تمثل اختباراً حقيقياً لمدى التزام المجتمع الدولي بأهدافه المعلنة. وإذا كان العالم يسعى بجدية إلى خفض الانبعاثات وتحقيق التوازن الكربوني، فإن عليه أن يضع في اعتباره أن الحروب الحديثة قد تعرقل هذا المسار بصورة عميقة. ومن هنا، فإن الدعوة إلى دمج الاعتبارات البيئية في صميم السياسات الأمنية والعسكرية لم تعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة استراتيجية لضمان مستقبل آمن ومستدام للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى