مقالات

الجزء ٢٤ “هناك في شيكاجو”

بقلم / هناء عبيد

كابوسٌ

كان أسعد يوم في حياتي حينما أتيت لزيارتكم؛ لأعلن رغبتي في الاقتران بك. كم كنت جميلة ورقيقة. كنت أرى ابتسامة عينيك التّي لم تستطع إخفاء سعادتك. حينما قابلت والدك خيّل لي أنّني أعرفه منذ زمن طويل، لقد كان مرآة حديثك عنه. والدتك وخجلها الجمّ كانت نسرين أخرى؛ أمّا نور فقد أبهجت قلبي بشقاوتها وخفّة ظلّها. كم تمنّيت أن أنضمّ إلى عائلتك، وأكون ابنها البار.
لقد كان يومًا غريبًا، انطبع بذاكرتي بأمل وشؤم. كنت أخاله سيكون أجمل الذّكريات، لكن ما حدث خيّب آمالي. لم أستطع استيعاب موقف أبيك، لماذا رفض ارتباطنا وقد كنت أكّدت لي موافقته؟ أربكني موقفه الّذي لم أستطع تفسيره، كيف له أن يقضي على حلم بلمح البصر، كيف اغتال روحين تحلّقان بأحلامهما معًا؟ لقد رأيت فيه الإنسان الرّاقي، لكنّي دهشت بغموض موقفه. يبدو أنّه لم يعرف العشق يومًا، وإلّا لأدرك بأيّ خنجر قد طعن قلبينا.
عدت إلى البيت كئيبًا، مندهشًا، لم أستوعب ما حدث. كانت ليلة مليئة بكوابيس الخيبة والفقد. انتظرت الفجر طويلًا بقلبٍ مكسور، وأحلام مغتالة. توجهت صباحًا إلى كلية العلوم، لأراكِ وأعرف حقيقة ما حدث. انتظرتك طويلًا، لم أجدك، كأنّ غيابك أبدّي. أصبحت أتوجّه يوميّاً إلى الكليّة للسّؤال عنك دون جدوى، إلى أن علمت أخيرًا من زميلاتك أنّك انتقلت إلى جامعة أخرى. كلّ شيء تبدّل في مسير أيّامي، لم يتبقّ لي حلم بعد غيابك، ولم أستطع الاتّصال بك.
قررّت أخيرًا أن أزوركم. لم أعطِ لنتيجة تهوّري بالًا، وهل هناك أكثر ضياعًا من فقد قطعة من الرّوح؟ استقبلني والدك بنظرة يشوبها الحزن والحزم معًا. لم يدع لي فرصة للكلام. أخبرني أنّك خارج البيت. طلب منّي الابتعاد عنك. لم يخبرني سبب هذا الرّفض الغريب. وعدته بأنّني لن أتصّل بك كما أراد، كأنّ روحي انطفأت حينها؛ غادرت وفي قلبي ألف غصّة، وفي ذهني ألف سؤال.
ترى أين أنت الآن منّي؟ هل تقرئينني في كلّ حرف كما أفعل، هل انطفأت شموع الأمل في روحك كما أنا؟
كم تمنّيت أن تكوني أوّل من هنّأني بتخرّجي وبوظيفتي الأولى. لا أدري هل سأبقى على وعدي لوالدك أم سأتراجع يومًا؟!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى