غير مصنف

يوم البيئة الوطني 2026: إنطلاقة كبرى لـ «تيراميد» وتتويج لمسار الإبتكار والتحول الأزرق

كتب : أحمد عبد الحليم

بمزيجٍ فريدٍ بين الرؤى الاستراتيجية و الابتكارات، أطلقت وزارة البيئة بالتعاون مع المكتب العربي للشباب و البيئة فعاليات يوم البيئة الوطني 2026، في يوم الثلاثاء 27 يناير 2026، في حراكٍ وطني يجسد تسارع الخطى المصرية نحو المستقبل الأزرق.

و قد استُهلت هذه الاحتفالية الكبرى بانطلاق حلقة نقاشية رفيعة المستوى حول المبادرة الوطنية للطاقة «تيراميد» تحت عنوان «ما بين الفرص و التحديات»؛ لتشكل منصة حيوية لترسيخ شعار العام الذي يربط بين «الاقتصاد الأزرق المستدام» و«الحلول القائمة على الطبيعة»، بالتوازي مع تتويج نماذج مُلهمة من المبدعين و الصحفيين و الإعلاميين الذين يقودون قاطرة الوعي و التحول البيئي في مصر.

حشد رسمي و خبرات دولية.

شهدت الحلقة نقاشات ثرية بحضور ممثلين عن الوزارات و الهيئات المعنية، و ممثلي المجتمع المدني، إلى جانب كوكبة من خبراء العمل البيئي و الصحفيين و الإعلاميين، الذين اجتمعوا لرسم خارطة طريق تدعم مسار الاستدامة على المستوى الوطني.

الطاقة المتجددة.. قلب التنمية النابض.

و في بيان لها بهذه المناسبة، أكدت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والقائم بأعمال وزير البيئة، أن الطاقة المتجددة لم تعد خياراً بل «ركيزة أساسية» في استراتيجية مصر لتحقيق التنمية المستدامة، مُشيرة إلى حتمية تعزيز الاستثمارات الخضراء و التوسع في مصادر الطاقة النظيفة، بوصفها المحرك الرئيسي لمواجهة تداعيات التغير المناخي وضمان نمو اقتصادي متوازن يلبي طموحات الدولة المصرية.

مصر.. استراتيجية التحول الأخضر.

و في كلمةٍ ألقاها نيابةً عن الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية و القائم بأعمال وزير البيئة، أكد المهندس شريف عبد الرحيم أن الاحتفاء بيوم البيئة الوطني يمثل وقفةً لتجديد التزام الدولة المصرية بصون ثرواتها الطبيعية، باعتبارها الركيزة الأساسية للتنمية المستدامة وحقاً أصيلاً للأجيال القادمة. و أوضح أن تسارع التحديات المناخية فرض حتمية التحول نحو نموذج تنموي متكامل يرتكز على العدالة و الازدهار، و يجعل من الإنسان المحرك الأول والهدف الأسمى لكافة السياسات العامة، مُؤكدًا على أن «الاقتصاد الأزرق المستدام» لم يعد مجرد خيار، بل أضحى مساراً استراتيجياً واعداً تستثمر فيه مصر جغرافيتها الفريدة بسواحلها الممتدة على البحرين الأحمر و المتوسط. لافتاً إلى أن هذا التوجه يهدف لحماية المجتمعات المحلية التي تمثل الموارد البحرية شريان الحياة الأساسي لها، وضمان استمرارية الأهمية الاقتصادية والاجتماعية لهذه المناطق.

كما أطلق عبد الرحيم تحذيراً موضوعياً أكد فيه أن تداعيات التغير المناخي انتقلت من دائرة التوقعات إلى أرض الواقع الملموس، حيث تواجه النظم البيئية الساحلية ضغوطاً غير مسبوقة؛ جراء ارتفاع منسوب سطح البحر وتآكل الشواطئ وتراجع الثروة السمكية. و أشار إلى أن هذه التحديات تضرب مباشرةً قطاعات حيوية كالسياحة و الصيد و الموانئ، و تضع المجتمعات الساحلية في مواجهة مخاطر مناخية مباشرة، لافتًا إلى أن الرؤية المصرية للاقتصاد الأزرق تتجاوز مفهوم النمو الاقتصادي التقليدي، لتصبح أداةً محورية لتعزيز القدرة على الصمود؛ عبر تبني حلول قائمة على الطبيعة، وإدارة مستدامة للموارد البحرية تضمن حماية النظام البيئي ودعم سبل العيش للفئات الأكثر تأثراً.

و على صعيد التحركات التنفيذية، كشف المهندس شريف عبد الرحيم عن إنخراط وزارة البيئة في صياغة الإطار العام للاستراتيجية التشاركية للاقتصاد الأزرق تحت مظلة مجلس الوزراء، مؤكداً وجود تعاون وثيق مع البنك الدولي لإعداد دراسات تخصصية متقدمة؛ يأتي في مقدمتها تطبيق نظام التخطيط البحري المكاني كنموذج رائد وقابل للتكرار. و أشار إلى نجاح الوزارة، بالتنسيق مع وزارة الموارد المائية و الري، في إطلاق استراتيجية متكاملة للإدارة الساحلية تستند إلى هيكل مؤسسي هو الأول من نوعه في هذا المجال، حيث دخلت حيز التنفيذ بالفعل في المحافظات المطلة على البحر المتوسط.

و في قراءة للأبعاد الإقليمية، نوّه المهندس شريف عبد الرحيم إلى أن استضافة مصر للاجتماع الرابع و العشرين لمؤتمر الأطراف لحماية بيئة المتوسط، مثّلت نقطة تحول جوهرية في العمل المشترك؛ إذ استطاعت القاهرة تحويل رؤية الاقتصاد الأزرق من إطار نظري إلى مخرجات ملموسة، تُوجت باعتِماد ‘استراتيجية التنمية المستدامة للمتوسط 2026-2035’. كما أبرز مساعد الوزيرة أن نجاح هذه المنظومة بات مرهوناً بحوكمة فاعلة تربط بين أمن المياه والطاقة والغذاء، مع ترسيخ دور المجتمع المدني كحائط صد يذود عن حقوق المجتمعات المحلية الأكثر عرضة للتقلبات المناخية.

و في رسالة ختامية حاسمة، أكد مساعد الوزيرة أن استدامة الاقتصاد الأزرق تتطلب «تضافراً شاملاً» يتجاوز الحدود المحلية إلى آفاق إقليمية ودولية. و أوضح أن المراهنة على الحلول القائمة على الطبيعة هي الرهان الرابح لتحقيق التوازن بين حماية المنظومة البيئية وجذب الاستثمارات الجديدة، بما يجسد جوهر رؤية مصر المستقبلية نحو اقتصاد يمتلك مقومات الصمود و النمو.

الاستدامة.. عهد لا احتفال.

و في كلمته، أعرب الدكتور عماد الدين عدلي، رئيس جمعية المكتب العربي للشباب و البيئة، و المنسق العام للشبكة العربية للبيئة و التنمية «رائد»، عن تقديره للدكتورة منال عوض لتقديمها الرعاية و الدعم لخروج هذا الحدث بصورة مشرفة، لافتًا إلى أن احتفال هذا العام يكتسب أهمية خاصة بمرور ثلاثة عقود (30 عاماً) على انطلاق يوم البيئة الوطني. و استعرض عدلي الجذور التاريخية لهذا اليوم، مؤكداً أنه يمثل محطة فارقة في مسيرة العمل البيئي المصري؛ إذ يخلّد ذكرى صدور أول قانون لحماية البيئة (رقم 4 لسنة 1994)، و هو اليوم الذي اعتمده رئيس مجلس الوزراء رسمياً كمنصة وطنية سنوية منذ عام 2020 لتعزيز الشراكة بين الحكومة و المجتمع المدني.

و أوضح عدلي أن اختيار «الاقتصاد الأزرق والطاقة المتجددة» كشعار لعام 2026، يعكس رؤية جمعية المكتب العربي للشباب والبيئة في إبراز الحلول القائمة على الطبيعة وتطوير آليات أمن الطاقة. و نوّه في خطاب قوي على أن قضية التغير المناخي «غادرت مربع الترف الفكري أو الملفات المؤجلة»، لتتحول إلى أزمة واقعية تضغط على اقتصاديات الدول وتفرض إعادة صياغة جذرية لنماذج التنمية، مؤكداً أن الطاقة المتجددة أصبحت اليوم الركيزة الأساسية في الاستجابة العالمية لخفض الانبعاثات وصون مستقبل الكوكب، مُؤكدًا أن أصداء الاحتفال بيوم البيئة الوطني تتجاوز حدود العاصمة لتشمل كافة محافظات الجمهورية، عبر تدشين منتديات وطنية ومحلية تعمل كأذرع رقابية وتوعوية تتابع عن كثب قضايا التنمية المستدامة والأنشطة البيئية الميدانية. و أوضح أن هذه المنتديات تلعب دوراً محورياً في ترسيخ الثقافة البيئية لدى المواطن البسيط، وتعريفه بالرسالة الجوهرية لهذا اليوم في مختلف ربوع مصر.

و أشار عدلي إلى الريادة المصرية في المحافل الدولية، لافتًا إلى دور مؤسسة «showap» في إطلاق «منتدى الاقتصاد العالمي»، و ما يتضمنه من تكريم للمبدعين. كما أعرب عن اعتزازه بفوز الشبكة العربية للبيئة و التنمية «رائد» بجائزة «الإبداع الاجتماعي» لهذا العام، مؤكداً أن هذا الاستحقاق يعد برهاناً ساطعاً على تميز المؤسسات المصرية وقدرتها على المنافسة والنجاح في المجالات النوعية المختلفة.

حلقة النقاش.

بإدارة متميزة من الدكتور عماد الدين عدلي، رئيس المكتب العربي للشباب و البيئة، شهدت الاحتفالية حلقة نقاشية ثرية جمعت كوكبة من رموز الفكر والتخطيط في مصر. و شارك في صياغة الرؤى والمداخلات كل من الدكتور محمد الخياط، الرئيس السابق لهيئة الطاقة المتجددة، و وزير الزراعة الأسبق الدكتور أيمن فريد أبو حديد، بصفته مؤسساً ومنسقاً للمنتدى المصري للتنمية المستدامة. كما أثرى المناقشات الدكتور يسري خفاجي، نائب رئيس هيئة الصرف بوزارة الري، والمهندس أيمن هيبة ممثلاً لشعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية.

ولم يغب البُعد الأكاديمي و الاقتصادي عن الجلسة، حيث قدمت الدكتورة يُمن الحماقي، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، رؤية تحليلية شاملة، بمشاركة الدكتور عطية عطية، عميد كلية الطاقة بالجامعة البريطانية، لينسج الحضور معاً رؤية متكاملة تربط بين العلم و التطبيق في ملفات الطاقة والبيئة والاستدامة.

الإستدامة.. استحقاق دستوري.

أكد الدكتور عماد الدين عدلي، رئيس المكتب العربي للشباب والبيئة والمنسق العام لشبكة «رائد»، أن الدولة المصرية تمتلك سياجاً قانونياً صلباً يحمي مواردها الطبيعية، حيث أرسى الدستور المصري أساساً واضحاً لصون حقوق الأجيال القادمة. و أوضح عدلي أن المواد (27، 32، 46) في دستور 2014 و تعديلاته، لم تكن مجرد نصوص قانونية، بل هي «ميثاق وطني» يُلزم الدولة بالاستخدام الأمثل للطاقة المتجددة، و تحفيز الاستثمار فيها، وضمان حق المواطن الأصيل في العيش في بيئة صحية وآمنة.

من الدستور إلى التنفيذ: رؤية 2030

و أشار الدكتور عماد الدين عدلي، إلى أن «رؤية مصر 2030» نجحت في ترجمة هذه الثوابت الدستورية إلى واقع عملي، عبر تحويل الطاقة المتجددة إلى محرك استراتيجي للاقتصاد القائم على المعرفة و التحول الرقمي. ولفت إلى أن الدولة تبنت نموذجاً تنموياً فريداً يدمج الأبعاد البيئية والاجتماعية في قلب المسار الاقتصادي، مما يعزز قدرة مصر على مواجهة تحديات تغير المناخ والحفاظ على التنوع البيولوجي.

طموح «مزيج الطاقة» 2035

وفي سياق متصل، و نوّه رئيس المكتب العربي على أن استراتيجية الطاقة المتكاملة و المستدامة 2035 تمثل قفزة نوعية؛ إذ تستهدف الوصول بمساهمة الطاقة النظيفة إلى 42% من مزيج الكهرباء الوطني. و أكد أن التركيز الواسع على مشروعات الطاقة الشمسية و طاقة الرياح، و تخصيص مساحات شاسعة للاستثمار فيها، يعكس جدية الدولة في عبور الجسر نحو «الاقتصاد الأخضر» وتحقيق الاستدامة المنشودة.

مصر.. استثمار أخضر عالمي.

أكد الدكتور عماد الدين عدلي، أن الدولة المصرية أطلقت «ثورة إجرائية» لتحفيز القطاع الخاص على قيادة قاطرة الاستثمار الأخضر. و أوضح أن هذه الحزمة شملت تيسيرات غير مسبوقة في التراخيص، و إتاحة الأراضي و الخدمات اللوجستية، و تقديم حوافز مالية مغرية نجحت في وضع قطاع الطاقة المتجددة بمصر على رادار الاستثمارات المحلية و الأجنبية.

رؤية 2050.. طموح يتجاوز الحدود.

و أشار عدلي، إلى أن الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050 لا تستهدف فقط خفض الانبعاثات، بل صياغة اقتصاد مرن و قادر على التكيف، مدعوماً بنظام حوكمة دقيق وتمويل مناخي مبتكر. و أضاف أن مصر تمضي بخطى واثقة لتتبوأ مقعدها بين كبار منتجي الطاقة النظيفة إقليمياً، مدفوعةً بالتزامها الصارم باتفاقية باريس، و تحديث مساهماتها الوطنية لتعزيز حصة الطاقة المتجددة في الشبكة القومية للكهرباء.

نُوَفِّي.. جسر التمويل الأخضر.

و سلط رئيس المكتب العربي الضوء على برنامج «نُوَفِّي»، واصفاً إياه بالمنصة الوطنية الرائدة التي تربط المشروعات الخضراء الكبرى بالتمويل الدولي، مُؤكدًا على الأهمية الاستراتيجية لمبادرة «تحفيز العمل نحو تحقيق استراتيجية مصر للطاقة المتجددة»، التي تنفذها الشبكة العربية للبيئة والتنمية «رائد» ضمن المرحلة الثانية من مبادرة «تيراميد»؛ مؤكداً أن جوهر هذه المبادرة يكمن في بناء تحالف متين بين الحكومة والمجتمع المدني و القطاع الخاص، مع تمكين الشباب والإعلام ليكونوا وقود التحول نحو الطاقة النظيفة.

الطاقة.. عصب الزراعة.

أكد الدكتور أيمن فريد أبو حديد، وزير الزراعة الأسبق و مؤسس منتدى التنمية المستدامة، أن العلاقة بين الإنتاج الزراعي والطاقة هي علاقة «وجودية»، حيث تبرز الطاقة كعنصر محوري يحرك مفاصل العملية الزراعية بدءاً من قطرة المياه وصولاً إلى مائدة المستهلك، مُوضحًا أن «معادلة الإنتاج» تبدأ من المياه، التي تظل رهينة للطاقة اللازمة لرفعها و تدويرها عبر القنوات و الحقول. ولم يقتصر الأمر على المحاصيل الحقلية، بل يمتد إلى قطاع الاستزراع السمكي، الذي وصفه بأنه «قطاع كهربائي بامتياز»؛ نظراً للاعتماد الكلي على أنظمة التهوية وضخ الأكسجين، محذراً من أن أي انقطاع في الإمداد يمثل تهديداً مباشراً للثروة السمكية.

و بخصوص سلاسل القيمة ومشروع الـ 100 ألف صوبة و في قراءة لواقع المشاريع القومية، استشهد أبو حديد بمشروع «المائة ألف صوبة زراعية» كنموذج للمناخ الزراعي المحكوم تكنولوجياً، والذي يتطلب طاقة مستدامة على مدار الساعة. كما أشار إلى «سلسلة القيمة» التي تتبع الحصاد، حيث تبرز الحاجة الماسة لوحدات تبريد كهربائية عملاقة لسحب «حرارة الحقل» و الحفاظ على جودة المنتج، وصولاً إلى التصنيع الغذائي الذي يمثل ذروة الاستفادة من الإنتاج الزراعي، و إختتم وزير الزراعة الأسبق بطرح رؤية واقعية حول الطاقة المتجددة؛ فبينما يراها حلاً مثالياً لدعم القطاع الحيوي، إلا أنه وضع يده على التحدي التقني الأبرز، و هو «فجوة الاستمرارية»، حيث تظل الطاقة الشمسية مرتبطة بساعات النهار، بينما تحتاج الأنشطة الزراعية، خاصة الرَيّ الليلي وشحن المعدات و أنظمة التبريد، إلى إمداد طاقي لا ينقطع، مما يستوجب البحث في تقنيات تخزين الطاقة وتطويرها لضمان استدامة الأمن الغذائي.

تكامل المياه والطاقة.

أكد الدكتور يسري خفاجي، نائب رئيس هيئة الصرف بوزارة الري، أن الدولة المصرية تمضي قدماً في تعزيز دور الموارد المائية كركيزة أساسية للاقتصاد الأزرق والتنمية القطاعية الشاملة. و أوضح أن الوزارة تستهدف تعظيم الاستفادة من نحو 11 مليون فدان عبر ربط منظومة الري بالطاقة المتجددة؛ حيث يتم التوسع في تحويل مساحات شاسعة—تتجاوز 3 ملايين فدان تعتمد على الري الحديث—من الاعتماد على وقود الديزل الملوث للبيئة إلى الطاقة الشمسية النظيفة. هذا التحول لا يقتصر فقط على تقليل الانبعاثات الكربونية وخفض التكلفة، بل يمتد ليشمل محطات إعادة تدوير مياه الصرف الزراعي، مع إشراك المجتمع المدني و روابط مستخدمي المياه في إدارة هذا التحول التكنولوجي، بما يضمن استدامة الموارد المائية وتحسين جودة البيئة المحلية.

كما كشف خفاجي، عن الرؤية الاستراتيجية العابرة للحدود التي تتبناها مصر من خلال مبادرة ربط البحر المتوسط بحيرة فيكتوريا، مُؤكداً أن هذا المشروع يمثل شريانًا حيويًا لتعزيز التبادل التجاري و السياحي بين دول حوض النيل باستخدام مسطحات مائية صديقة للبيئة و سفن تعتمد جزئيًا على الطاقة المتجددة. و أشار إلى أن التحدي الحقيقي المتمثل في «التمويل» يمكن تحويله إلى فرص استثمارية واعدة في مجالات طاقة الرياح و الخلايا الشمسية؛ حيث تسعى مصر لتوطين تكنولوجيا مهمات الطاقة المتجددة محلياً، مما يؤهلها لتصدير هذه الخبرات وتعزيز التعاون الإقليمي، و بناء اقتصاد أخضر قوي يعتمد على الابتكار ويحول التحديات المناخية إلى عوائد اقتصادية ملموسة. استدامة، طاقة، و نمو.

طاقة المستقبل.. اقتصادنا.

أكدت الدكتورة يُمن الحماقي، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، أن الاستدامة لم تعد ترفاً بيئياً بل أضحيت المحرك الاستراتيجي لإعادة صياغة المشهد الاقتصادي و الاجتماعي، واصفة قطاع الطاقة المتجددة بأنه «الرهان الرابح» لضخ دماء جديدة في شرايين الاقتصاد الوطني. و أوضحت أن هذا القطاع يمتلك قدرة فائقة على دفع معدلات النمو و توليد فرص عمل نوعية للشباب، مما يحول التحديات المناخية إلى فرص استثمارية تعزز من مرونة الدولة و قدرتها التنافسية في سوق الطاقة العالمي.

و في سبيل تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس، طرحت الدكتورة يُمن الحماقي خارطة طريق ترتكز على «التحول الرقمي و المعلوماتي» من خلال بناء قواعد بيانات متكاملة توحد المؤشرات الاقتصادية والتقنية، بما يمنح صناع القرار بوصلة دقيقة لرفع كفاءة المشروعات المستدامة. و أكدت أن حجر الزاوية في هذا المسار يتمثل في صياغة «تحالف تنموي» يدمج استثمارات القطاع الخاص بجهود المجتمع المدني تحت مظلة حكومية، مُشيرة إلى أن تلاحم هذا «المثلث الذهبي» هو الضمانة الوحيدة لترجمة الخطط الاستراتيجية إلى أثر اقتصادي مستدام يلمسه المواطن في حياته اليومية.

ثورة مصر الخضراء.

كشف الدكتور محمد الخياط، الرئيس السابق لهيئة الطاقة الجديدة و المتجددة، عن ملامح «الثورة الخضراء» التي قادتها الدولة المصرية، مُؤكداً أن الهيئة تجاوزت دورها التقليدي كمجرد منتج للطاقة لتصبح قاطرة لتوطين صناعة مهمات الرياح و الشمس محلياً، بالتوازي مع تبني سياسات صارمة لترشيد الاستهلاك و رفع الكفاءة. و أوضح الخياط أن الطفرة الكبرى تجسدت في التوسع الجغرافي غير المسبوق؛ إذ نجحت الاستراتيجية التشريعية الحديثة في تحويل مصر إلى وجهة جاذبة للاستثمارات المليارية، مما ضاعف رقعة الأراضي المخصصة لمشروعات الطاقة المستدامة من 5 آلاف كيلومتر مربع إلى مساحة شاسعة تتجاوز 43 ألف كيلومتر مربع، و هو ما يمثل قفزة نوعية في خريطة التنمية الاستراتيجية، مُشيرًا إلى أن الطاقة الشمسية و الرياح انتقلت من حيز المشروعات التجريبية و النخبوية إلى واقع ملموس يغطي كافة ربوع الجمهورية، في انعكاس مباشر لتحول جذري في الوعي القومي والسيادة الطاقية. هذا التمدد الميداني والتشريعي لم يساهم فقط في تأمين احتياجات الدولة من الكهرباء، بل أرسى دعائم ثقافة مجتمعية جديدة تقدّر الموارد المستدامة كبديل استراتيجي آمن و أقل تكلفة، مما يضع مصر في مكانة ريادية كمركز إقليمي للطاقة النظيفة، و يؤكد قدرة القطاع على ملاحقة المعايير العالمية في الحفاظ على البيئة و تحقيق التنمية الشاملة.

مستقبل التصدير الأخضر.

أشار المهندس أيمن هيبة، رئيس شعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة، إلى أن التحول نحو الطاقة النظيفة بات ضرورة اقتصادية مُلحة تتجاوز الأهداف البيئية التقليدية، مُؤكداً أن هذا المسار هو المفتاح الأساسي لضمان نفاذ الصادرات المصرية للأسواق العالمية، خاصة الأوروبية التي تفرض ضرائب كربونية صارمة. و أوضح أن الاستثمار في الطاقة المتجددة يمنح المنتج المحلي ميزة تنافسية كبرى عبر خفض تكاليف الإنتاج وتعزيز «البصمة الخضراء»، وهو ما يحول التحديات التنظيمية الدولية إلى فرص حقيقية للنمو الاقتصادي وتوطين الصناعات المستدامة.

و في سياق متصل، استعرض المهندس أيمن هيبة التطورات الملموسة في قطاع الطاقة عبر مبادرة «تراميد»، مُشيداً بالدور الحيوي لهيئة تنمية و استخدام الطاقة المتجددة في توفير بيانات دقيقة و ديناميكية تمنح المستثمرين رؤية استباقية واضحة. و اختتم رؤيته بضرورة صياغة حزمة متكاملة من الحوافز التشريعية و المالية لتشجيع القطاع الخاص على التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية والرياح داخل المناطق الصناعية، معتبراً أن تكاتف الجهود لتسهيل هذا التحول هو الركيزة الأساسية لتحقيق مستهدفات التنمية الشاملة ورؤية مصر 2030.

أكاديميا.. طاقة.. استدامة.

أكد الدكتور عطية عطية، عميد كلية الطاقة بالجامعة البريطانية، أن معركة الوعي البيئي هي الركيزة الأساسية لحماية المستقبل، مُشيرًا إلى الدور المحوري لخبراء البيئة في غرس ثقافة الحفاظ على الموارد لدى المواطنين، لافتًا إلى أن الجامعة البريطانية تتبنى استراتيجية عملية لدعم هذا التوجه، تجسدت في تدشين كلية هندسة الطاقة والبيئة كصرح متخصص لمواجهة تحديات التغير المناخي. و أوضح أن الكلية لا تكتفي بالجانب الأكاديمي، بل تستهدف صناعة كوادر وطنية قادرة على ابتكار و تصميم تقنيات الطاقة المتجددة، و تقديم بحوث علمية ترتكز على أحدث الخبرات الدولية في هذا المجال.

وفي سياق متصل، ثمن عميد كلية الطاقة جهود الدولة المصرية، مُؤكداً أنها تضع القضايا البيئية على رأس أولوياتها رغم التحديات الاقتصادية العالمية. و أوضح أن هذا الالتزام يظهر جلياً في الحراك التشريعي الداعم للمناخ، و الحرص على الانضمام للاتفاقيات الدولية، و إطلاق المبادرات القومية التي تسرع من خطى مصر نحو تحقيق التنمية المستدامة.

فاتورة المناخ المنسية.

أكدت الأستاذة الدكتورة سامية جلال سعد، أستاذة بالمعهد العالي للصحة العامة و البيئية بالإسكندرية و مستشارة الأمم المتحدة لصحة البيئة و إدماج نظم الإدارة البيئية المُتكاملة، على الخطر بشأن التداعيات الصحية و الاجتماعية الغائبة عن حسابات التدهور البيئي الناتج عن أنماط الطاقة التقليدية، مُؤكدة أن الفجوة الحقيقية تكمن في غياب التقييم الدقيق للأبعاد الإنسانية و الاقتصادية المُترتبة على التلوث؛ إذ إن التحول نحو الطاقة المتجددة ليس مُجرد خيار بيئي بل هو ضرورة اقتصادية قصوى ستحدث طفرة في الموازنات العامة من خلال توفير المبالغ الطائلة التي تنفقها الدولة على علاج الأمراض غير المعدية المُرتبطة بالبيئة، لافتة إلى حتمية التنسيق الوزاري المشترك الذي يضع وزير الصحة في قلب صنع السياسات الطاقية و الزراعية و الخدمية، خاصة في ملفات مُعالجة مياه الصرف و الرَيّ، لضمان حماية سُمعة الإنتاج القومي و تحقيق التنمية المُستدامة التي تجعل من صحة الإنسان المُحرك الأول و الأساسي لعجلة الإنتاج.

اقتصاد التنوع البيولوجي.

أوضح المهندس أسامة الجبالي، مدير مبادرة دمج صون التنوع البيولوجي في السياحة المستدامة بوزارة البيئة، أن صون الموارد الطبيعية يمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد المستدام و الحلول القائمة على الطبيعة، مُستعرضاً التجربة المصرية الرائدة في التنسيق بين قطاعي البيئة والطاقة المتجددة كنموذج عالمي فريد؛ حيث نجح مشروع «حماية الطيور الحوامة» بالتعاون مع هيئة الطاقة المتجددة في دمج معايير الحفاظ على الحياة البرية ضمن مشروعات الطاقة، بما في ذلك إشراك القطاع الخاص في تمويل برامج الحماية عبر سداد رسوم مخصصة لكل ميجاوات. و أوضح الجبالي أن التنوع البيولوجي في مصر، الذي يمتد من الميكروبات الدقيقة وصولاً إلى الشعاب المرجانية و غابات المانجروف و الطيور المهاجرة، ليس مُجرد ترف بيئي، بل هو المحرك الخفي لقطاعات الزراعة والري والصحة؛ إذ لا يمكن الحديث عن أمن غذائي دون الملقحات الطبيعية والكائنات الداعمة للتربة، مؤكداً أن المبادرة الحالية تسعى لسد فجوة تمويلية تُقدر بنحو 50 مليون دولار لضمان استمرارية هذه الخدمات النظمية التي تدعم الاقتصاد الوطني بشكل مباشر و غير مباشر.

ابتكار أخضر واعد.

و على هامش احتفالية «يوم البيئة الوطني 2026» بمركز «بيت القاهرة»، برزت الأسمدة العضوية كأحد الحلول الجوهرية لاستدامة التربة؛ حيث تحول تدوير المخلفات من مجرد مُمارسة بيئية إلى «قيمة مضافة» تعيد للأرض حيويتها وتقلص الاعتماد على المواد الكيماوية.

و في مشهد لافت، خطف الطالب علي محمد، ابن مدرسة الطبري الملقب بالمخترع الصغير، الأنظار خلال التكريم الذي شهده المهندس شريف عبد الرحيم مساعد الوزيرة، و الدكتور عماد الدين عدلي رئيس جمعية المكتب العربي، و الدكتور أيمن فريد أبو حديد وزير الزراعة الأسبق؛ و ذلك عن ابتكاره لجهاز منزلي ذكي يُحول بقايا الطعام و المخلفات العضوية إلى سماد «كمبوست» عالي الجودة في غضون شهر واحد.

و أثنى الدكتور عماد الدين عدلي على العقلية الإبتكارية للطالب علي محمد، واصفاً المشروع بأنه «يستحق الدكتوراه الفخرية»؛ لقيمته العلمية في تبسيط مفاهيم الاقتصاد الدوار. ويعتمد الجهاز على تقنية ذكية لخلط و تهوية المخلفات عبر حساسات تنبه المستخدم لمستوى الامتلاء، معتمدًا في تشغيله حالياً على وصلة (USB)، مع خطة طموحة لتطويره ليعمل بالطاقة الشمسية، بما يخدم البيوت الريفية و المزارع الصغيرة بأقل تكلفة وجهد.

و يعكف «المخترع الصغير» حالياً على تسجيل براءة اختراعه رسمياً، ليكون نموذجاً مُلهماً للعقول الشابة القادرة على قيادة التحول الأخضر في مصر. و يؤكد هذا التكريم أن الدولة ماضية في دعم منظومة تربط بين البحث العلمي و ريادة الأعمال، لتحويل الابتكارات البيئية الناشئة إلى مشروعات قومية تخدم الاستدامة و تدعم الاقتصاد و المجتمع.

حصاد الإبداع البيئي.

أشادت الأستاذة غادة أحمدين، مدير البرامج في الشبكة العربية للبيئة و التنمية «رائد»، بالنجاح النوعي لمسابقة يوم البيئة الوطني، التي جسدت شراكة استراتيجية موسعة بين الوزارات المعنية والمجتمع المدني، وشهدت تدشين شعار دائم للحدث يعكس فلسفة العمل المناخي، حيث توجت المصممة سهيلة محمد بالمركز الأول في تصميم اللوجو، وفريق كلية الهندسة بصدارة فئة الشباب عن مشروع رائد حول المحميات الطبيعية. و أكدت غادة أحمدين أن المسابقة، التي تمحورت حول العلاقة بين التنوع البيولوجي و التغير المناخي، سجلت تفاعلاً استثنائياً بـ 125 مشاركة من الشباب و الإعلاميين والجمعيات الأهلية، مما يعزز بناء جسور مستدامة مع الكوادر المبدعة لتحويل الوعي البيئي إلى واقع ملموس ودعم مسيرة التنمية الخضراء في مصر.

و مع اقتراب الإحتفالية من محطتها الأخيرة، كان الموعد مع لحظة الوفاء لحراس الوعي الكوني؛ حيث أعلنت اللجنة المنظمة عن أسماء الفائزات في النسخة الثانية من مسابقة «يوم البيئة الوطني». هذه النسخة التي لم تكن مجرد سباقٍ صحفي عابر، بل تحولت إلى منصةٍ لاستعراض الرؤى المُبتكرة حول «التنوع البيولوجي و دوره في مواجهة تغير المناخ» و «مستقبل الطاقة»، أسفرت عن تتويج ثلاث كفاءات نسائية قدمن نموذجاً مُلهماً في تطويع الصحافة لخدمة الاستدامة، و جاءت نتائجهن كالتالي:

المركز الأول | شيرين إحسان: اقتنصت الصدارة بسلسلة استقصائية «عابرة للمنصات» شملت 4 موضوعات و 5 فيديوهات، غاصت خلالها في ملفات الاستثمار الأخضر بالمحميات، و دور أشجار «المانجروف» كحائط صد طبيعي ضد التغير المناخي، مُبرزةً دور المنح الصغيرة في خلق جيل من «سفراء البيئة».

المركز الثاني | حنان فكري: حصدت المركز الثاني عن تحقيقها الذي وصفته لجنة التحكيم بأنه «نموذج يُدرّس» حول «الأراضي الرطبة»، حيث كشفت بالخرائط و التوثيق العلمي ظاهرة الانكماش الصامت في بحيرات «البرلس و المنزلة و قارون»، و رابطةً بين حماية هذه النظم و الأمن الغذائي.

المركز الثالث | شيرين سامي: فازت بالمركز الثالث بزاوية اقتصادية ثاقبة من خلال تحقيقها «الأمن الطاقي.. حصان مصر الرابح»، حيث حَللت عبر دراسات بحثية رؤية الدولة لتوطين الطاقة المتجددة كركيزة أساسية لمواجهة الانبعاثات.

أكد الحضور أن هذا الفوز لا يكرم أشخاصاً فحسب، بل يُعزز مكانة الإعلام البيئي المهني كقوة ناعمة تدعم مسار التنمية المستدامة في مصر، و تحول التحديات المناخية المُعقدة إلى قصص تأثير تلمس حياة المواطن البسيط.

احتفاء رسمي برؤية المستقبل.

أقيمت الاحتفالية بمركز «بيت القاهرة» تحت رعاية الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية و القائم بأعمال وزير البيئة، و بحضور نخبة من الخبراء و المسئولين. و أكدت الاحتفالية أن الإعلام البيئي لم يعد مجرد «ناقل للأخبار»، بل أصبح شريكاً استراتيجياً في صياغة الوعي العام، و تحويل التحديات المناخية المعقدة إلى قصص إنسانية و تنموية تلمس حياة المواطن البسيط. هذا الفوز يُعزز مكانة الإعلام البيئي المهني كقوة ناعمة تدعم مسار التنمية المستدامة في مصر.

استشراف المستقبل.

لم تكن احتفالية يوم البيئة الوطني 2026، مجرد رصدٍ لإنجازاتٍ مضت، بل كانت إعلاناً عن دخول مصر مرحلة «النضج الأخضر». فمن خلال الربط المحكم بين طموح مبادرة «تيراميد» و استدامة «الاقتصاد الأزرق»، أثبتت الدولة أن التحول الطاقي ليس بمعزلٍ عن الأمن الغذائي أو الصحة العامة، بل هو المُحرك الأساسي لرفع تنافسية الاقتصاد الوطني وصون حقوق الأجيال القادمة. و مع بزوغ فجر ابتكارات شبابية كمشروع «المُخترع الصغير»، و تعاظم دور الإعلام البيئي كشريكٍ في الوعي، تكتمل مُعادلة النجاح المصرية؛ لتتحول التحديات المناخية من «أزمة عالمية» إلى «فرصة وطنية» لإعادة صياغة مستقبل أكثر مرونة و ازدهاراً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى