“سم في عبوة دواء”.. الأرصفة والسوشيال ميديا يقودان إلى موت بطيء
تحقيق : أحمد عبد الحليم
بين “سموم الأرصفة” و”فخاخ السوشيال ميديا”، يواجه المصريون تهديدًا صامتًا يتسلل إلى أجسادهم تحت ضغط الفقر وارتفاع الأسعار. لم تعد الأزمة مجرد نقص في الدواء، بل امتدت إلى سوق موازية خطرة يُعاد فيها تداول أدوية منتهية الصلاحية أو مجهولة المصدر بأسعار منخفضة، رغم تحذيرات منظمة الصحة العالمية ومعايير الأمان الدوائي العالمية. في هذا السياق، تكشف الوقائع عن تداول مرتجعات دوائية تُقدّر بمئات الملايين من الجنيهات، بينما يظل مصير قرار “وتش أوت 2025” محل تساؤل: هل ينجح في ضبط السوق وتنقية الصيدليات، أم يبقى المواطن الحلقة الأضعف في مواجهة مخاطر دواء قد يفقد دوره كعلاج ويتحول إلى تهديد للصحة؟
تحذيرات دولية وقصور محلي
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الأدوية المغشوشة لم تعد محصورة في الأسواق التقليدية، بل انتقلت بسرعة إلى الفضاء الرقمي، حيث باتت منصات التواصل الاجتماعي قناة رئيسية للترويج غير الآمن. وتقدر المنظمة أن واحدًا من كل عشرة منتجات طبية في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل غير مطابق للمواصفات، ما يزيد معدلات الوفاة ويسهم في مقاومة المضادات الحيوية. محليًا، عززت هيئة الدواء المصرية الرقابة الرقمية عبر تتبع الإمدادات إلكترونيًا للحد من تسرب الدواء إلى السوق السوداء، إلا أن التحديات تبقى قائمة مع توسع البيع غير الرسمي عبر الإنترنت.
وفي وقت تحذر فيه جهات دولية مثل منظمة الصحة العالمية من خطورة انتشار الأدوية المغشوشة عالميًا، وتؤكد هيئات رقابية كإدارة الغذاء والدواء الأمريكية أن تاريخ صلاحية الدواء ليس إجراءً شكليًا بل معيار أمان حاسم، تكشف جولة ميدانية وشهادات خبراء ومواطنين عن واقع مُقلق، تتداخل فيه العوامل الاقتصادية مع القصور الرقابي، لتُنتج واحدة من أخطر الظواهر التي تهدد الصحة العامة.
سُموم الأرصفة القاتلة
تواجه صحة المواطنين تهديداً وجودياً إثر انتشار تجارة الأدوية منتهية الصلاحية، التي وجدت طريقها إلى الأرصفة ومنصات التواصل الاجتماعي؛ مدفوعةً بالقفزات السعرية للدواء وتراكم المخزون الفاسد داخل بعض الصيدليات في ظل ما يُقال عن رفض الشركات المنتجة سحبها في فترات سابقة. هذه الظاهرة التي تحولت إلى “سوق سوداء للموت”، لم تعد مجرد مخالفة تجارية، بل باتت تحصد الأرواح، حيث تشير التقديرات إلى وقوع حالات وفاة مفجعة كان الأطفال ضحيتها الأبرز.
حسم ملف السموم
في تحرك استراتيجي لضبط الفوضى الدوائية، أطلقت هيئة الدواء القرار رقم 47 لسنة 2025 المعروف بـ”وتش أوت” لتنقية الصيدليات من الأدوية المنتهية، مع تعزيز الرقابة الرقمية عبر تتبع سلاسل الإمداد إلكترونيًا. ورغم أهميته في حماية الصحة العامة، يبقى نجاح القرار مرتبطًا بسرعة التنفيذ، خاصة مع توسع سوق البيع غير الرسمي على الإنترنت.
فوضى “سوق السموم”
يرجع محمود فؤاد، المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء، انتشار تجارة الأدوية المنتهية الصلاحية بالأسواق الشعبية وعبر فيسبوك إلى “خلل رقابي وهيكلي”، حيث تُدار نسبة من صيدليات مصر (التي يتجاوز عددها 80 ألفًا) بواسطة غير متخصصين، مما يحولها إلى أماكن لتصريف الأدوية المنتهية التي ترفض الشركات سحبها. وأوضح فؤاد أن مبادرة “واش أوت” تقضي بإعادة الأدوية منتهية الصلاحية إلى الشركات المنتجة، لكنها لم تحقق النتائج المرجوة بسبب وجود عراقيل؛ فالشركات تشترط وجود فواتير للاسترجاع، بينما تشتري صيدليات كثيرة احتياجاتها من مخازن وسيطة “بدون فواتير”، مما أبقى أدوية تقدر قيمتها بنحو 500 مليون جنيه حبيسة الأرفف لسنوات. هذا الحصار المادي يدفع البعض للتخلص من الخسائر ببيع تلك “السموم” للفقراء، وقد يتم التلاعب أحيانًا بتاريخ الإنتاج وإعادة طرحها، وهو أمر صعب الاكتشاف إلا عبر فحوصات معملية متخصصة قد تستغرق أشهرًا، مما يجعل المريض ضحية لعملية قتل بطيء مجهولة الفاعل.
الأدوية الفاسدة
وأشار فؤاد إلى وجود رواج لهذه الأدوية في العديد من الأسواق الشعبية بالقاهرة، ورغم أن الحملات الرقابية أدت إلى تراجع نسبي في البيع العلني، إلا أنها لا تزال منتشرة في أسواق “اليوم الواحد” بالمحافظات. وأكد أن ارتفاع أسعار الدواء السبب الرئيسي في إقبال المواطنين على هذه الأدوية، إلى جانب ضعف الحملات التفتيشية، وعدم وجود قانون رادع كافٍ، حيث لا يزال العمل قائمًا بالقانون رقم 127 لسنة 1957، في انتظار صدور قانون جديد يُغلّظ العقوبات. وأوضح أن فكرة تحديد تاريخ صلاحية للأدوية تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، نظرًا لأن الأدوية مركبات كيميائية قد تتحول مع مرور الوقت إلى مواد أقل فاعلية أو أكثر خطورة.
وفيما يتعلق بتقديرات حجم الأدوية المرتجعة أو المنتهية، يشير خبراء إلى أرقام بمئات الملايين من الجنيهات، إلا أن هذه التقديرات تظل غير رسمية، ما يستدعي التعامل معها بحذر مهني، وتقديمها في سياق آراء وتحليلات، لا باعتبارها بيانات موثقة بشكل قاطع.
تراكم الأزمات القاتل
يرصد محمود فؤاد تحورًا في خريطة توزيع “السموم الدوائية”، فبينما حدّت الحملات الرقابية من البيع العلني في القاهرة، انزوت الظاهرة لتعشش في “أسواق اليوم الواحد” بالمحافظات بعيدًا عن الأعين. مؤكداً أن الفقر وقفزة أسعار الدواء هما المحركان الرئيسيان خلف هذا الإقبال الانتحاري، وسط ضعف الرقابة والاستناد إلى قانون رقم 127 لسنة 1957، الذي لا يزال ينتظر تعديلات تشريعية تغلظ العقوبات. وأوضح أن الضغوط الاقتصادية وارتفاع أسعار الأدوية ساهمت في توسيع نطاق السوق الموازية، حيث يلجأ بعض المواطنين إلى بدائل منخفضة التكلفة رغم مخاطرها الصحية، في ظل نقص بعض الأصناف الدوائية، ما يعكس تداخل العوامل الاقتصادية مع القصور الرقابي في تغذية هذه الظاهرة.
سموم خلف الصلاحية
تشير تقارير صادرة عن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية إلى أن تاريخ الصلاحية المُدوّن على الأدوية يستند إلى دراسات علمية دقيقة لضمان بقاء الدواء آمنًا وفعالًا حتى هذا التاريخ عند تخزينه في الظروف المناسبة. كما تؤكد أن بعض الأدوية قد تفقد فعاليتها تدريجيًا بعد انتهاء الصلاحية، بينما قد تتحول أنواع أخرى إلى مركبات قد تسبب ضررًا مباشرًا للمريض. وعلى الرغم من الأصوات التجارية التي تحاول التهوين من شأن “تاريخ الصلاحية”، إلا أن الواقع الطبي الصادم يدحض هذه الادعاءات؛ حيث سُجلت حالات وفاة بين 2022 وبدايات 2025 إثر استخدام حقن مضادات حيوية مجهولة المصدر، مما حول الدواء من أداة للشفاء إلى وسيلة للقتل المفاجئ. هذه الفواجع دفعت السلطات الأمنية لإلقاء القبض على عدد من أصحاب صيدليات متورطة، وصدرت على إثرها قرارات وزارية صارمة بحظر إعطاء الحقن داخل الصيدليات نهائيًا، بالتزامن مع شن حملات موسعة لضرب المصانع غير المرخصة التي تعبث بحياة المواطنين.
وعلى الصعيد العلمي، تؤكد دراسات حديثة أن تأثير انتهاء صلاحية الدواء يختلف بحسب نوعه؛ فبينما تفقد بعض الأدوية فعاليتها تدريجيًا، قد تتحلل أنواع أخرى—خاصة المضادات الحيوية والحقن—إلى مركبات ضارة، أو تصبح غير قادرة على أداء دورها العلاجي، مما يزيد من احتمالات تفاقم المرض بدلًا من علاجه.
دواء أونلاين مغشوش
لم تعد الخطورة تقتصر على الأسواق الشعبية فقط، بل امتدت إلى الفضاء الإلكتروني، حيث ظهرت منصات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تبيع الأدوية وتوصلها إلى المنازل بناءً على صور “روشتات”، دون رقابة واضحة على المصدر أو الجودة. ومن جانبها، حذرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية من أن نسبة كبيرة من المواقع الإلكترونية التي تبيع الأدوية دون وصفات طبية تعمل خارج الأطر القانونية، وغالبًا ما تروج لمنتجات مجهولة المصدر أو بتركيبات غير دقيقة، ما يجعل الخطر لا يقتصر على انتهاء الصلاحية، بل يمتد إلى احتمال تناول أدوية غير آمنة في الأصل.
وفي هذا السياق، حذرت منظمة الصحة العالمية من التوسع العالمي في تداول الأدوية المغشوشة أو غير المطابقة للمواصفات، خاصة عبر الإنترنت، مؤكدة أن هذه الأدوية قد تؤدي إلى تفاقم الأمراض وزيادة معدلات الوفاة وظهور مقاومة للمضادات الحيوية.
حظر تداول السموم
حذرت هيئة الدواء المصرية من خطورة تسرب الأدوية إلى “المسارات غير الرسمية”، مؤكدة أن البيع عبر الأرصفة أو المنصات الإلكترونية المجهولة يمثل “تهديدًا مباشراً للحياة”. وشددت الهيئة على ضرورة حصر تداول الدواء داخل الصيدليات المرخصة فقط، معلنة عن تكثيف حملات الرقابية لقطع الطريق أمام المتلاعبين بصحة المواطنين.
الخطوة المنتظرة
أشاد الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية، بالقرار رقم 47 لسنة 2025 واصفاً إياه بـ”الخطوة المنتظرة” لإنهاء أزمة تراكمت لسنوات؛ حيث يفتح الباب لسحب الأدوية منتهية الصلاحية من نحو 82 ألف صيدلية دون تعقيدات “الفواتير” أو “الكميات”، وهي المعضلة التي كبّدت الصيدليات خسائر فادحة وحوّلت أرففها إلى مخازن لمواد فقدت فاعليتها أو تحولت لمركبات كيميائية خطرة تهدد حياة المرضى وتزيد من مقاومة المضادات الحيوية. وأوضح أن آلية التنفيذ تعتمد على “الرقمنة”؛ حيث تتابع هيئة الدواء البيانات المسجلة إلكترونيًا لتوجيه الموزعين بسحب تلك السموم وإعدامها رسميًا، مع ضمان تعويض الصيدليات خلال فترة محددة، وهو ما يمثل طوق نجاة لغسل السوق وتطهيره من تجارة “الأدوية الفاسدة”.
أدوية منتهية الصلاحية
حذر الدكتور سمير الضو، استشاري الباطنة العامة، من أن استهلاك الأدوية منتهية الصلاحية يضع المريض في مواجهة مباشرة مع الموت؛ إذ تتحول مادتها الفعالة إلى مركبات سامة أو تفقد قدرتها العلاجية تمامًا. وأوضح أن الكارثة الحقيقية تكمن في عجز هذه الأدوية عن لجم الأمراض المزمنة كالضغط والسكري، مما يفتح الباب على مصراعيه لمضاعفات تهدد حياة المريض.
جريمة قتل بطيء
من جانبه، وصف الدكتور علاء الناظر، خبير الإدارة العامة والمحليات، بيع الأدوية المجهولة بالأسواق الشعبية بأنه “جريمة قتل بطيء”، مؤكداً أنها تقود الضحايا حتماً إلى الفشل الكلوي أو الوفاة. وشدد على حتمية المواجهة الأمنية والتشريعية عبر تغليظ العقوبات وقصر تداول الدواء على الصيدليات المرخصة.
تكثيف الحملات
وطالب البرلماني محمد العماري بضرورة تفعيل القانون وتكثيف الحملات التفتيشية من الجهات المختصة، مثل حماية المستهلك والتفتيش الصيدلي، مؤكدًا أن الردع القانوني والتوعية المجتمعية هما السبيل لمواجهة هذه الظاهرة.
في عمق الأسواق
كشفت جولة ميدانية في عمق الأسواق الشعبية عن “سوق سوداء للسموم”، حيث يمارس الباعة لعبة “الاستغماية” مع حملات التفتيش، مخبئين الأدوية في حقائب سرية ليتم بيعها خفيةً للمواطنين.
الصادم هو حالة “الإنكار الجماعي” لخطورة الموقف؛ حيث تروي إحدى فايزة حسن أنها تشتري دواء المفاصل بربع ثمنه الحقيقي رغم يقينها بانتهاء صلاحيته منذ شهور، مدعية تحت وطأة الحاجة أنها تماثلت للشفاء.
بينما يبرر مواطنون آخرون لجوءهم لهذه “الأرصفة” نظرًا لارتفاع أسعار الدواء، وفي مشهد مأساوي دافعت فيه إحدى البائعات عن الجريمة بصفتها “عملاً خيرياً” لتلبية احتياجات الفقراء.
إن هذا الاستسلام الشعبي لوهم الشفاء وتحول الدواء لمنتهى الصلاحية إلى سلعة “رصيف” عادية يعكس كارثة وعي توازي في خطورتها سموم المادة الكيميائية ذاتها.
فخ السوق الموازية
لم يكن الفضاء الرقمي بمنأى عن هذه الكارثة، إذ تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى “أسواق عشوائية” لترويج الأدوية بأسعار زهيدة وخدمات توصيل منزلية تفتقر لأدنى المعايير الصحية. وتكشف شهادات المترددين على هذه المنصات عن واقع مرير، حيث تضطر بعض الأسر لشراء أدوية منتهية الصلاحية هربًا من إرتفاع الأسعار وصعوبة العثور على البدائل في الصيدليات الرسمية، مفضلين “سهولة الوصول” على ضمانات الأمان، مما يحول منصات التواصل إلى وسيط مباشر في مقامرة غير مأمونة بحياة المرضى.
الموت الرخيص
يتحول مشهد الأدوية المنتهية من مجرد خرق للقانون إلى اختبار لقدرة الدولة على حماية أرواح مواطنيها؛ فبين مطرقة القرارات التنظيمية لهيئة الدواء وسندان الواقع الاقتصادي المتردي، تتسع الفجوة بين “نصوص التشريع” و”آليات التطبيق”. إن استمرار لجوء البسطاء لأسواق السموم بدافع العوز يضع المنظومة أمام سؤال وجودي: كيف نكسر حلقة “الموت الرخيص” دون معالجة جذور الأزمة المتمثلة في انفلات الأسعار وضعف الرقابة الميدانية الحازمة؟ الإجابة لا تتعلق فقط بالقانون، بل بقدرة الدولة والمجتمع معًا على إعادة ضبط منظومة الدواء، قبل أن يتحول “العلاج” إلى خطر يهدد الحياة نفسها.
الوعي.. طوق نجاة
إن مواجهة “سموم الأرصفة” وتجارة الموت الموازية ليست مجرد معركة أمنية أو حملات تفتيشية عابرة، بل هي معركة وعي مجتمعي تقف حائط صد أول قبل نصوص القانون. وحتى تكتمل ملامح الانضباط الدوائي التي ينشدها قرار “وتش أوت 2025” وتدعمها المنظومة الرقمية الجديدة، تظل الحماية الحقيقية رهينة التزام المواطن بحتمية المصدر؛ فالدواء سلعة مكانها الوحيد والآمن هو “الصيدلية المرخصة”، وأي وسيط آخر سواء كان رصيفاً في سوق شعبية أو صفحة مجهولة على شاشة الهاتف ليس إلا شريكًا محتملاً في جريمة قتل عمد.
ويأتي التدقيق الصارم في تاريخ الإنتاج وانتهاء الصلاحية كمعيار سلامة لا يقبل التهاون، ويتوازى معه دور الفرد في “الإبلاغ الإيجابي” عن أي مسارات غير رسمية لتداول الدواء عبر الخطوط الساخنة لهيئة الدواء وحماية المستهلك، باعتباره واجبًا وطنياً يقطع الطريق على تجار السموم ويعيد الانضباط للشارع الصحي. ففي عالم الدواء، قد يعني استرخاص الثمن دفع المقابل الأغلى على الإطلاق، دفع الحياة نفسها.
















