الثقافة

“تاريخ الهند الحديثة”.. فى كتاب جديد

كتب / مصطفى ياسين

صدر حديثًا عن دار العلوم للنشر والتوزيع كتاب “تاريخ الهند الحديثة” للمؤرخ الهندي “بيبان تشاندرا” المترجم عن اللغة الإنجليزية، قام بترجمته د. أحمد القاضي، أستاذ اللغة الأردية بكلية اللغات والترجمة، والذي عمل كمستشار ثقافي لمصر سابقا بالهند، د. رانيا فوزي رئيس قسم اللغات الشرقية جامعة عين شمس سابقا.
حول الترجمه قال د. القاضي: أن مؤلف الكتاب “بيبان تشاندرا” “1928م – 2014م”، من أهم المؤرخين الهنود في العصر الحديث، ليس هذا فحسب بل كان مُؤرخًا مُتخصصًا في التاريخ الاقتصادي والسياسي لـ”الهند” الحديثة، وله أكثر من عشرين مُؤلَّفًا في هذا المجال. وشُهِد له بالموضوعية في كتابة التاريخ؛ ولذلك استهدفته الجماعات المتطرفة؛ فدعت إلى حظر مؤلفاته، وفرض الرقابة عليها؛ نظرًا لأن هذه المؤلفات تتوخَّى الحقيقة عند التأريخ لأحداث الاستقلال، إلا أن محاولات هذه الجماعات المتطرفة باءت بالفشل.
ويرى د. القاضي: أن التاريخ ذاكرة الأمة، وسجل لحياة شعوبها، يعكس لنا حالهم، وأحوالهم، ويَعرضُ عاداتهم وتقاليدهم، ويَصفُ ضعفهم وبأسهم، ويُفسِّر استقرارهم وثوراتهم؛ ومن هنا تأتي أهمية مُطالعة تاريخ شبه القارة الهندية ــــ وخاصة ما قبل الاستقلال ـــــ الذي ضنَّت المكتبة العربية على قارئها إلَّا بالنذر القليل من كتاباتها المتناثرة في بطون بعض المؤلفات التاريخية المختلفة.
ويضيف د. القاضي: إن “تاريخ الهند الحديثة”، يتناول “الهند البريطانية”، وحوادثه، ويُلقي الضوء على الحركة القومية ونضالها ضد الاستعمار. ويُعدُّ الكتاب خلاصة أبحاث الكاتب ودراساته حول تاريخ النضال القومي ضد الاستعمار الإنجليزي لـ”الهند”، إلى جانب بعض كتابات غيره من المؤرخين المشهورين خلال تلك الفترة.
جاء الكتاب في أربعة عشر فصلاً، تغطي فترات مختلفة من التاريخ الهندي الحديث، وتعرض لأحوال المجتمع الهندي في القرن الثامن عشر، وظهور الدويلات والانقسامات، كما تعرض فصول الكتاب الإصلاح الديني والاجتماعي بعد عام 1858م، والنضال من أجل الاستقلال، والحركة القومية، والاختراق الأوروبي، والغزو البريطاني، والصحوة الاجتماعية والثقافية في النصف الأول من القرن العشرين، وكذلك تدهور الإمبراطورية المغولية، وثورات عام 1857م. ولقد تم عرض كل تلك الأحداث وفق الترتيب الزماني بدءًا من الحكم البريطاني، وحتى استقلال البلاد 1947م.
وتَكمن أهمية الكتاب في أن المُؤلِّف لم يركز فقط على العوامل السياسية خلال تلك الفترة، ولكنه تناول التاريخ الاقتصادي، والديني، والاجتماعي لـ”الهند”. كما يُقدَّم رؤية ثاقبة للعديد من الأحداث المهمة في التاريخ الهندي الحديث؛ مثل إنشاء “شركة الهند الشرقية البريطانية”؛ مما أدَّى إلى إحكام قبضة البريطانيين على “الهند”. أضف إلى ذلك أن الكتاب يوضِّح السبب الرئيس وراء الحكم الاستعماري لـ”الهند”؛ والذي يتمثل في استغلال ثرواتها من خلال الاستثمار والتجارة.
كذلك؛ يُلقي الكتاب الضوء على المساهمات التي قدَّمها العديد من الرموز الوطنية من مختلف الديانات والتيارات المختلفة في الحركة الوطنية، والإصلاح الاجتماعي، وغير ذلك، وهو ما يدحض ادّعاء الأكثرية بأنهم أصحاب الفضل في تحرير البلاد من الاستعمار. كما يتجنب الكتاب السرد التاريخي السياسي، ويركِّز على علاقات العلوم الإنسانية ـــــ التاريخ، السياسة، الاقتصاد، وعلم الاجتماع ـــــ بعضها ببعض؛ للوقوف على تفسيرات أحداث، ووقائع معينة، وتحليل نتائجها في إطار زماني محدد.
يُقدِّم الكتاب أيضًا وصفًا تفصيليًا للحركة القومية، ويعرض لنا مساهمات رجالات تلك الحركة، مما يجعله مرجعًا شاملًا لطلاب التاريخ والقرَّاء المهتمين، فضلًا عن كونه قراءة أساسية لفهم واسع النطاق لبناء “الهند” الحديثة.
ويركز المترجم الذي عاش أكثر من عشر سنوات بالهند ما بين دراسة للماجستير والدكتوراه بجامعة “دهلي”، والعمل كمسنشار ثقافي: أن الكاتب كان موضوعيًا في عرضه لتاريخ تلك الحقبة التاريخية، وما بها من أحداث وحوادث، وخاصة فيما يتعلق بأحداث الحكم الإسلامي في شبه القارة الهندية. ومن الجدير بالذكر أن تلك الحقبة لم تكن بذلك السوء الذي يعرضه لنا الكثير من المؤرخين الهنود في كتبهم ومؤلفاتهم، بل على العكس تمامًا؛ فإن فترة تاريخ الحكم الإسلامي في “الهند” تزخر بالكثير والكثير من المنجزات والبطولات، والصفحات المضيئة المشرقة، ولقد ذكر الكاتب الكثير من المواقف التي تحتاج إلى تفنيد، وتمحيص بأسلوب علمي دقيق حتى تُؤتي ثمارها، ويَفيد منها شبابنا من ذلك الجيل الذي يجهل كثيرًا تاريخ تلك الحقبة التاريخية.
لذلك اعتمدت الحكومة الهندية – وهذا يُحسب لها – ذلك المُؤلَّف ليكون مصدرًا من مصادر مادة التاريخ التي تُدرس في مختلف المدارس الحكومية، والجامعات الحكومية والأهلية، مما يعكس أهمية ذلك الكتاب بوصفه وثيقة موثقة لتاريخ شبه القارة الهندية في فترة تاريخية من تاريخها العريق، وتجدر الإشارة أيضًا أن هذا الكتاب تم ترجمته إلى معظم لغات الهند القومية، مع بعض الرسومات التي تساعد الطلاب على فهم تاريخ بلادهم.
ويؤكد د. القاضي أن: الكاتب أشار في ثنايا كتابه إلى خطورة التمييز الطائفي والعَقدي على المجتمعات والحضارات، وأشار إلى ضرورة التسامح الديني، وأن الأغلبية الدينية أو الاجتماعية صاحبة اليد الطولى في نزع الخوف والقلق من قلوب الأقليات، ونشر الأمن والطمأنينة في نفوسهم.
كما أن الكاتب يُلقي الضوء على المساهمات التي قدَّمها العديد من الرموز الوطنية من مختلف الديانات والتيارات المختلفة في الحركة الوطنية، والإصلاح الاجتماعي، وغير ذلك، وهو ما يدحض ادّعاء الأكثرية بأنهم أصحاب الفضل في تحرير البلاد من الاستعمار.
وجملة القول؛ فإن كتاب “تاريخ الهند الحديث”، للمؤرخ “بيبان تشاندرا” يُعد من أهم المراجع، التي لا غنى عن مطالعتها لكل الباحثين والمهتمين بتاريخ شبه القارة الهندية، وخاصة فيما يختص بالكفاح الوطني الشعبي ضد سطوة الاحتلال الإنجليزي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى