معرض القاهرة للكتاب يناقش بناء وعي الطفل بين التعليم والثقافة
كتبت: داليا فاروق
في إطار فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، استضافت قاعة الندوات المتخصصة ندوة بعنوان «التعليم وثقافة الطفل»، ناقشت العلاقة التفاعلية بين المنظومة التعليمية وبناء ثقافة الطفل، ودورهما المشترك في تشكيل وعي الأجيال القادمة، في ظل تحديات رقمية وثقافية متسارعة.
شارك في الندوة كل من الكاتبة الأردنية سارة طالب السهيل، والدكتورة سمية الألفي مدير عام التنمية والنوع بالمجلس القومي للأمومة والطفولة، فيما أدار الندوة محمود مرتضى خبير التنمية وحقوق الإنسان.
التعليم وسيط ثقافي لا ناقل معرفة فقط.
أكد محمود مرتضى أن العلاقة بين التعليم وثقافة الطفل علاقة تكامل لا انفصال، موضحًا أن المؤسسات التعليمية تمثل وسيطًا ثقافيًا أساسيًا، لا يقتصر دورها على نقل المعلومات، بل يمتد إلى غرس القيم، وتنمية الوعي، وحماية الهوية، خاصة في ظل التحديات الرقمية المتسارعة.
وطرح مرتضى عددًا من التساؤلات الجوهرية، من بينها:
دور البيئة التعليمية في دعم ثقافة الطفل،
مدى فاعلية الأنشطة الثقافية داخل المدارس،
تأثير القيم الأسرية،
وغياب رؤى واضحة لبعض مراحل الطفولة المبكرة، خاصة مرحلة الحضانة، وما يترتب على ذلك من آثار طويلة المدى في تشكيل شخصية الطفل.
الثقافة… ليست مادة دراسية بل مشروع وعي.
من جانبها، شددت الكاتبة سارة طالب السهيل على أن ثقافة الطفل قضية وجود ومستقبل، وليست ترفًا فكريًا أو نشاطًا جانبيًا، مؤكدة أن الخلط بين التعليم والثقافة يمثل أحد أخطر التحديات في العالم العربي.
وأوضحت السهيل أن التعليم يعلّم الطفل كيف يقرأ،
أما الثقافة فتحدد له ماذا يقرأ ولماذا.
وأضافت أن التعليم يمنح الطفل الأدوات، بينما تمنحه الثقافة البوصلة والوجهة، محذّرة من الاعتقاد السائد بأن التفوق الدراسي وحده يصنع طفلًا مثقفًا، واصفة ذلك بـ«الوهم الكبير».
وأكدت أهمية الحفاظ على اللغة العربية بوصفها الوعاء الجامع للهوية والتراث والتاريخ، مشيرة إلى أن هذه العناصر تمثل المادة الخام لصناعة كتاب الطفل، محذّرة من استهداف اللغة كمدخل لتفريغ الوعي.
أدب الطفل… رسالة بلا وعظ.
وتطرقت السهيل إلى الخلط الشائع بين الكتاب التعليمي وأدب الطفل، مؤكدة أن قصص الأطفال يجب أن تحمل قيمة ورسالة بأسلوب أدبي بسيط ومحبب، بعيدًا عن المباشرة والوعظ، لأن الطفل يتلقى بالقلب قبل العقل.
وأضافت أن إفراغ عقل الطفل من المحتوى الثقافي والإبداعي الحقيقي يجعله فريسة سهلة للغزو الثقافي أو التطرف أو التوجيه الرقمي المشوَّه، خاصة في ظل ظهور أشكال من الذكاء الاصطناعي الموجَّه، داعية إلى سد هذا الفراغ بإنتاج إبداعي عربي يليق بالطفل.
التعليم أساس النهضة وبناء الإنسان
من جهتها، أكدت الدكتورة سمية الألفي أن التعليم في مصر يمثل حجر الأساس لأي نهضة حضارية، وأنه حق أصيل من حقوق المواطنة، لما له من تأثير مباشر على الانتماء الوطني وبناء الإنسان.
وأشارت إلى أن التعليمزيعزز التفكير النقدي، ويدعم المشاركة المجتمعية،
يخلق عمالة مؤهلة، ويقلل البطالة ويجذب الاستثمارات.
كما استعرضت أبرز التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية، ومنها: العجز في أعداد المعلمين، تكدس الفصول، التسرب من التعليم، ضعف البنية التكنولوجية، وتأثير الأوضاع الاقتصادية والتضخم على العملية التعليمية.
وأوضحت أن عدد طلاب التعليم قبل الجامعي في مصر يبلغ نحو 29 مليون طالب، يقابلهم نحو 1.3 مليون معلم، مع وجود نقص في المدارس المخصصة لذوي الهمم، مشيدة في الوقت نفسه بعدد من التدخلات الإيجابية، مثل تطوير المناهج، والتوسع في التعليم الفني، وإدخال البرمجة والذكاء الاصطناعي، مع التأكيد على الحاجة إلى مزيد من التمويل والتدريب المستمر.
المعركة الحقيقية: وعي أم استهلاك؟
واختتمت الندوة بالتأكيد على أن بناء الإنسان يظل الأساس الحقيقي لأي تنمية، وأن الأطفال والتعليم يشكلان ركيزة استراتيجية للمستقبل، بما يتطلب رؤية تعليمية شاملة تراعي الهوية الثقافية، وتواكب المتغيرات العالمية دون التفريط في الخصوصية المجتمعية.
وأكدت سارة طالب السهيل في ختام رؤيتها الفكرية أن المعركة الحقيقية ليست بين الأصالة والمعاصرة، ولا بين العربية واللغات الأجنبية، بل بين عقل مستقل مبدع وعقل مستهلك مُنمَّط.
ليس المهم كم مدرسة نبني،بل أي إنسان نربي داخل هذه المدارس.

















