مقالات

د.محمود فوزي يكتب: الإستدامة بين التخطيط والتعقيد المؤسسي

ألقت متغيرات العولمة، والانفتاح الاقتصادي الضخم، والمنافسة العالمية متنامية التطور؛ بظلالها على إستراتيجيات التميز المؤسسي للشركات، التي أصبحت بحاجة لإعادة تصميم إستراتيجياتها التنظيمية؛ كي تتسق مع متطلبات الاستدامة، فانتقلت مبادرات المسئولية الاجتماعية من الطابع الاختياري “الطوعي” إلى كونها شبه إلزامية، خاصًة على مستوى المنظمات العالمية متعدية الجنسية، والتي صارت ملزمة بتطبيق معايير الحوكمة ومواطنة الشركات، لاسيما مع اتساع الفجوة بين الدول المتقدمة والدول النامية، التي تعاني نقص الوعي بأبعاد مفهوم المسئولية الاجتماعية، وآليات تطبيقه.

وكغيرها من الإستراتيجيات التنظيمية المخططة؛ تتطلب مباردات المسئولية الاجتماعية إعادة تخطيط محددات الثقافة المؤسسية؛ كي تصبح أكثر تركيزًا على التنمية المعرفية؛ على نحو مواز من التنمية المجتمعية؛ النابعة من إدراك الحاجة إلى التحسين الجذري، والتعلم من التجارب الناجحة، وامتلاك آليات الإبداع والابتكار، وتهيئة مقومات الدعم وتوليد المعارف، بل وتمهيد سبل اكتسابها، ونقلها، والتماسها، ونشرها، فضلًا عن مرونة تعديل المواقف؛ كي تتسق مع الرؤى الواقعية والمستجدات المتطورة، واتباع الأساليب المنهجية في حل المشكلات؛ والتحلي بالمهارات اللازمة لذلك.

وتدعم نماذج ونظريات التعلم التنظيمي قيمة المقارنة المعيارية لإمكانات وقدرات الشركات؛ من خلال إجراء البحوث، وتهيئة مسارات الإنتاج والتبادل التنظيمي للمعارف والمهارات؛ لتعزيز الوعي الجمعي، وتقديم أفكار بناءة قادرة على تحسين الإستراتيجيات، وتعزيز المزايا التنافسية، وتطوير الأداء الإبداعي؛ من خلال تطبيق سياسات داعمة للعمليات الابتكارية، وإدارة المشروعات التنموية، وتبني خطط منهجية لإدارة الملكية الفكرية، وبحث سبل الاستثمار في رأس المال المعرفي للمنظمة.

وتعاني عديد الشركات من الخلط بين مفهوم المسئولية الاجتماعية، الذي أصبح ملازمًا للتنمية المستدامة بشقيها الاقتصادي والبيئي، وبين مفهوم العمل الخيري؛ ما يمثل اختزالًا للمسئولية الاجتماعية للشركات، ودورها في عمليات التغيير الاجتماعي؛ ذلك التغيير الذي لا بد وأن يبدأ من الداخل؛ أي من العامل الذي ينبغي أن يشعر بالولاء لمؤسسته؛ في المقابل تتيح بعض التشريعات فرصًا لأصحاب الأعمال؛ للالتفاف حول القوانين والاستعناء عن موظفيهم دون أسباب منطقية، هذا إلى جانب كثرة عدد مؤسسات الأعمال العاملة في القطاع غير الرسمي، وبالطبع يصعب على الحكومة مراقبة تلك المؤسسات وإلزامها بمعايير العمل.

في المقابل فإن أغلب الشركات الخاضعة للحكومة تواجه هي الأخرى إشكالية أخرى؛ متمثلة في عدم الاستقلالية التامة للمنظمة؛ مما يفرض عليها اتساق وارتباط برامج مسئولياتها الاجتماعية مع الاستراتيجية الحكومية، ومن ثم تغليب بعض المبادرات ومنحها أولوية خاصة على حساب الأنشطة الموجهة نحو كل من الموظفين و العملاء؛ فضلًا عن الحد من القدرة التنافسية للمؤسسة، وتقليص مساحة الحرية أمام المديرين والمسئولين، الذين يتحتم عليهم الالتزام بجوانب المسئولية الاجتماعية، وإن تعارضت مع اتجاهاتهم ومعتقداتهم الأيديولوجية والليبرالية؛ مما قد يسبب معوقًا لها.
قد يبدو الحل بسيطًا وهو تقديم مقترح للتخطيط الإستراتيجي لبرامج المسئولية الاجتماعية، كي تتفادى الشركات مثل هذه التحديات، مع ضمان الارتقاء علي نحو مواز بفاعلية وكفاءة برامجها ومبادراتها التنموية، وترتكز جوانب هذا التخطيط الاستراتيجي على خماسي أركان، هي: المواطن، والمنظمة، والحكومة، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام.

هذه الأبعاد الخمسة تمثل تجسيدًا لنظرية التعقيد التنظيمي؛ حيث التكامل بين الابتكار والتطوير الناجم عن تطبيقات الشركات لمقومات المرونة والتكيف المؤسسي، وبين الامتثال للوائح والتشريعات والقوانين؛ لضمان الاستدامة الاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية؛ المنبثقة من احتياجات المواطن؛ تلك الاحتياجات والرغبات التي تتسق بطبيعتها مع الأهداف القومية للدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى