دكتورة نرمين توكل تكتب : سيناء.. من ملحمة التحرير إلى معجزة البناء والتنمية
في الخامس والعشرين من أبريل من كل عام، تقف مصر بكل مؤسساتها وشعبها أمام لحظة فارقة في تاريخها الحديث، تستعيد فيها ذكرى تحرير سيناء، تلك الأرض التي لم تكن مجرد رقعة جغرافية، بل كانت ولا تزال عنوانًا للكرامة الوطنية ورمزًا لصمود شعب وجيش رفضا التفريط في تراب الوطن. إنها ذكرى تختلط فيها مشاعر الفخر بالتضحيات، والاعتزاز بما تحقق، والإصرار على مواصلة البناء.
لم يكن تحرير سيناء حدثًا عابرًا، بل نتيجة مسار طويل من الكفاح العسكري والدبلوماسي، جسّدته بطولات القوات المسلحة المصرية التي خاضت حربًا أعادت رسم موازين القوى، ثم استكملته الإرادة السياسية عبر مفاوضات صعبة حتى عاد آخر شبر من الأرض إلى السيادة المصرية. ومنذ تلك اللحظة، بدأت مرحلة جديدة، عنوانها الحفاظ على الأرض وتنميتها، وتحويلها من ساحة صراع إلى مساحة أمل ومستقبل.
واليوم، لم تعد ذكرى تحرير سيناء مجرد استدعاء للماضي، بل أصبحت نقطة انطلاق نحو واقع تنموي غير مسبوق، تقوده الدولة المصرية برؤية استراتيجية شاملة، تضع في اعتبارها أن حماية الأمن القومي لا تتحقق فقط بالسلاح، بل أيضًا بالتعمير والتنمية. ومن هذا المنطلق، جاءت توجيهات القيادة السياسية لتكون سيناء في قلب خطط الدولة، ليس فقط كأولوية أمنية، بل كركيزة أساسية في مشروع التنمية الشاملة.
وقد خاضت القوات المسلحة والشرطة المصرية معركة لا تقل شراسة عن معركة التحرير، تمثلت في مواجهة الإرهاب الذي حاول النيل من استقرار سيناء وتعطيل مسيرة التنمية فيها. وبفضل التضحيات الجسيمة لرجال الجيش والشرطة، تم دحر هذه الجماعات واستعادة الأمن، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها البناء بثقة وثبات. هذه التضحيات لم تكن فقط دفاعًا عن الأرض، بل كانت حماية لمستقبل وطن بأكمله.
وفي ظل هذا الاستقرار، انطلقت الدولة في تنفيذ حزمة ضخمة من المشروعات القومية التي غيرت وجه سيناء بشكل جذري. فقد شهدت شبه الجزيرة طفرة كبيرة في مشروعات البنية التحتية، من طرق وأنفاق ربطت سيناء بالوادي والدلتا، إلى تطوير الموانئ والمطارات، بما يعزز من موقعها كمحور لوجستي إقليمي. كما امتدت جهود التنمية إلى قطاعات المياه والإسكان والزراعة، عبر إنشاء محطات تحلية، وتجمعات سكنية جديدة، ومشروعات استصلاح زراعي، بهدف تحقيق الاكتفاء وتوفير حياة كريمة لأهالي سيناء.
ولم تغفل الدولة البعد الإنساني في خططها، حيث تم تطوير الخدمات الصحية والتعليمية، وإنشاء مستشفيات ومدارس حديثة، بما يضمن تحسين جودة الحياة للمواطنين، ويعكس التزام الدولة بتحقيق تنمية متكاملة لا تقتصر على الاقتصاد فقط، بل تمتد إلى بناء الإنسان.
كما تحظى سيناء بمكانة خاصة في خطط التنمية السياحية، خاصة في جنوبها، حيث يتم تنفيذ مشروعات كبرى تستهدف وضعها على خريطة السياحة العالمية، مستفيدة من ما تمتلكه من مقومات طبيعية وروحية فريدة. ويأتي ذلك في إطار رؤية أوسع تهدف إلى تنويع مصادر الدخل القومي وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة.
إن ما تشهده سيناء اليوم هو ترجمة حقيقية لإرادة سياسية واعية، تدرك أن بناء الأوطان لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها القوات المسلحة والشرطة، اللتان قدمتا نموذجًا فريدًا في التضحية والفداء، إلى جانب الحكومة التي تعمل على تنفيذ خطط التنمية، والشعب الذي يواصل دعمه لهذه المسيرة.
وفي ذكرى تحرير سيناء، لا نحتفل فقط بما تحقق في الماضي، بل نؤكد العهد على استكمال المسيرة، والحفاظ على ما تحقق من إنجازات، والمضي قدمًا نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. ستظل سيناء دائمًا رمزًا للصمود والانتصار، وشاهدًا على قدرة هذا الوطن على تجاوز التحديات وصناعة المستقبل.














