د . نرمين توكل تكتب : في يوم الأرض العالمي .. مصر وخطوات راسخه نحو إقتصاد أكثر إستدامة
يحتفل العالم في كل عام، وتحديدًا في الثاني والعشرين من أبريل، بمناسبة يوم الأرض العالمي، تلك المناسبة التي تجاوزت حدود الاحتفال الرمزي لتصبح دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في علاقة الإنسان بكوكبه. لم يعد الأمر مجرد شعارات بيئية تُرفع، بل تحول إلى التزام أخلاقي وتنموي يفرض على الدول والمجتمعات تبني مسارات جديدة تحمي الأرض من الاستنزاف،
وتضمن استدامة مواردها للأجيال القادمة. فمنذ انطلاق هذا اليوم في سبعينيات القرن الماضي، والعالم يشهد تحولات متسارعة في إدراك خطورة التغيرات المناخية والتدهور البيئي، وهو ما جعل الهدف الأساسي لهذا اليوم يتمثل في تعزيز الوعي البيئي العالمي، وتحفيز الحكومات والمؤسسات والأفراد على اتخاذ خطوات عملية للحفاظ على البيئة.
وفي ظل التحديات غير المسبوقة التي يشهدها العالم اليوم، من ارتفاع درجات الحرارة إلى التصحر وندرة المياه وتلوث الهواء، أصبح الحفاظ على الأرض قضية وجودية تمس حاضر الإنسانية ومستقبلها. وهنا يبرز مفهوم التنمية المستدامة بوصفه الإطار الأشمل الذي يسعى لتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة والعدالة الاجتماعية، بحيث لا يكون التقدم على حساب الطبيعة، ولا تكون البيئة عائقًا أمام رفاهية الإنسان.
ومن هذا المنطلق، برزت أهمية التحول إلى اقتصاد أكثر استدامة، اقتصاد يُعلي من شأن الإنسان ويحافظ على الكوكب في آن واحد.
وفي هذا السياق العالمي، لم تكن مصر بمعزل عن هذه التحديات، بل أدركت مبكرًا أهمية تبني نهج تنموي مستدام، فجاءت رؤية مصر 2030 كإطار وطني شامل يعكس هذا التوجه، حيث وضعت الاستدامة البيئية كأحد المحاور الرئيسية للتنمية، وربطت بين تحسين جودة حياة المواطن والحفاظ على الموارد الطبيعية. وقد شهدت السنوات الأخيرة تحولات ملموسة في السياسات والمشروعات التي تعكس هذا التوجه، مدفوعة بإرادة سياسية واضحة ورؤية استراتيجية طويلة المدى.
وفي قلب هذه التحولات، يبرز دور القيادة السياسية بقيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، التي وضعت ملف البيئة ضمن أولويات الدولة، ليس فقط بإعتباره ملفًا خدميًا، بل كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي والتنمية الشاملة. فقد حرصت القيادة على دمج البعد البيئي في مختلف خطط التنمية، بحيث أصبحت المشروعات القومية الكبرى تراعي معايير الاستدامة، سواء في تصميمها أو تنفيذها أو أهدافها.
ومن أبرز ملامح جهود الدولة في هذا المجال التوسع في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، حيث أصبحت مصر واحدة من الدول الرائدة إقليميًا في إنتاج الطاقة النظيفة، من خلال مشروعات ضخمة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ساهمت في تقليل الانبعاثات الكربونية وخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري. ولم يقتصر الأمر على الإنتاج فقط، بل امتد إلى تشجيع الاستثمار في هذا القطاع، وتهيئة بيئة تشريعية داعمة للتحول نحو الاقتصاد الأخضر.
كما أولت الدولة اهتمامًا كبيرًا بإدارة الموارد المائية، في ظل التحديات التي تواجهها مصر باعتبارها من الدول التي تعاني من محدودية الموارد المائية. فتم تنفيذ مشروعات قومية لترشيد استخدام المياه، وتطوير نظم الري الحديثة، والتوسع في إعادة استخدام المياه، إلى جانب مشروعات معالجة مياه الصرف الزراعي والصحي، بما يسهم في تحقيق الأمن المائي وتقليل الفاقد.
وفي إطار الحفاظ على البيئة الحضرية، شهدت مصر طفرة في إنشاء المدن الجديدة الذكية والمستدامة، التي تعتمد على بنية تحتية صديقة للبيئة، وتوفر مساحات خضراء واسعة، وتستخدم تقنيات حديثة في إدارة الطاقة والمياه. كما تم تطوير منظومة النقل لتكون أكثر استدامة، من خلال التوسع في وسائل النقل الجماعي النظيفة، مثل المترو والقطارات الكهربائية، وتقليل الاعتماد على وسائل النقل التقليدية الملوثة.
ولم تغفل الدولة ملف إدارة المخلفات، حيث تم إطلاق منظومة جديدة تهدف إلى تحسين جمع وتدوير المخلفات، وتقليل التلوث الناتج عنها، وتحويلها إلى مورد اقتصادي يساهم في خلق فرص عمل جديدة. كما تم التوسع في حملات التشجير وزيادة الرقعة الخضراء، لمواجهة آثار التغير المناخي وتحسين جودة الهواء.
وعلى الصعيد الدولي، لعبت مصر دورًا بارزًا في دعم قضايا البيئة والمناخ، وهو ما تجسد في استضافتها لمؤتمر مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ COP27، الذي مثل محطة مهمة في الجهود العالمية لمواجهة التغير المناخي. وقد أكدت مصر خلال هذا المؤتمر على أهمية تحقيق العدالة المناخية، وضرورة دعم الدول النامية في مواجهة التحديات البيئية، مع التركيز على تنفيذ التعهدات الدولية وتحويلها إلى إجراءات ملموسة.
إن ما تقوم به مصر اليوم يعكس إدراكًا عميقًا بأن الحفاظ على الأرض ليس خيارًا، بل التزام حتمي يفرضه الواقع، وأن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون بيئة صحية ومستدامة. ويأتي الاحتفال بيوم الأرض العالمي ليؤكد هذا المعنى، ويذكرنا بأن مسؤولية حماية الكوكب تقع على عاتق الجميع، أفرادًا ومؤسسات ودولًا.
وفي النهاية، فإن التجربة المصرية تقدم نموذجًا مهمًا في كيفية التوفيق بين متطلبات التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة، من خلال رؤية متكاملة وإرادة سياسية قوية. إنها رسالة مفادها أن المستقبل يمكن أن يكون أكثر توازنًا وإنصافًا، إذا ما تم وضع الإنسان والبيئة في قلب عملية التنمية، وهو ما تسعى إليه مصر بخطى ثابتة نحو بناء اقتصاد مستدام يحفظ الأرض ويصون كرامة الإنسان في آن واحد.















