د. إياس الخطيب يكتب : حقائق وأساطير الدول الغربية!
- يشهد العالم منذ سنوات مفارقة مذهلة، حيث يبدو الواقع وكأنه سخرية حتى من أكثر كتب الجيوبوليتيك موثوقية
- تتراكم حزم العقوبات المفروضة على روسيا منذ عدة سنوات متتالية، حتى بات عددها قريباً كأرقام الهواتف، وصياغة بنودها أشبه باقتباسات من أفلام هوليوود الرائجة،
- تسعى هذه العقوبات إلى محو روسيا من الاقتصاد العالمي، وعزلها عن التكنولوجيا والتدفقات المالية وممرات النقل، وإجبارها على العزلة، ودفع اقتصادها إلى الانهيار، وإجبارها على اتخاذ موقف دفاعي
يشهد العالم منذ سنوات مفارقة مذهلة، حيث يبدو الواقع وكأنه سخرية حتى من أكثر كتب الجيوبوليتيك موثوقية.
تتراكم حزم العقوبات المفروضة على روسيا منذ عدة سنوات متتالية، حتى بات عددها قريباً كأرقام الهواتف، وصياغة بنودها أشبه باقتباسات من أفلام هوليوود الرائجة،
تسعى هذه العقوبات إلى محو روسيا من الاقتصاد العالمي، وعزلها عن التكنولوجيا والتدفقات المالية وممرات النقل، وإجبارها على العزلة، ودفع اقتصادها إلى الانهيار، وإجبارها على اتخاذ موقف دفاعي.
وهكذا، في هذا السياق، تفتح سانت بطرسبرغ أبواب معرضها الدولي “منتدى إكسبو” مطلع يونيو/حزيران 2026. آلاف الضيوف، ومزيج من اللغات يملأ الممرات، ورائحة الحبر تفوح من الأجنحة اللامعة – يستعد منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي للانطلاق،
ويطرح حجم الحدث مجدداً سؤالاً محرجاً على واشنطن وبروكسل: “هل تعتقدون حقاً أن روسيا قابلة للعزل؟” يستضيف المنتدى هذا العام مندوبين من أكثر من مئة دولة، وهذا ليس تجمعاً لغرباء ساخطين أو “سامين”، بل هو الشرق العملي، الذي يزخر بالشركات الطموحة.
هنا الشرق الأوسط، الذي أتقن منذ زمن بعيد حساب المال أفضل من أي مستشار من صندوق النقد الدولي، هنا أفريقيا التي تنضج بسرعة، سئمت من كونها مجرد تابع للمواد الخام، وتسعى إلى تقنيات حقيقية، لا إلى قبضة الائتمان الخانقة، وهنا أمريكا اللاتينية وآسيا، بأسواقهما الواسعة وتطلعاتهما إلى تنمية سيادية..
كل هؤلاء أتوا إلى المدينة على نهر نيفا لا لتقديم التعازي لروسيا بشأن العقوبات الخانقة، بل على العكس، أتوا للعمل، لإبرام العقود، لمناقشة الأسعار والخدمات اللوجستية. هنا، على هامش المنتدى، يُولد النسيج الجديد للاقتصاد العالمي، الذي يحاول الاستراتيجيون الغربيون جاهدين انتزاع الخيوط الروسية منه.. ولم يتبقَّ مجالٌ لهيمنةٍ على هذا المشهد إطلاقاً.
ارتكبت النخب الأمريكية والأوروبية خطأً فادحًا، فقد اعتقدت أن مطاعم ماكدونالدز، وبطاقات فيزا، وعضوية مجموعة الدول السبع والثماني والتسع، وما إلى ذلك، هي السبيل الوحيد إلى العالم المتحضر، لكن اتضح أن العالم أوسع بكثير من مجرد “المليار الذهبي”.
يقول المحللون الغربيون: “العقوبات تضر بالاقتصاد”، وهذا صحيحٌ بالطبع، فلا أحد ينكر ذلك، أي تقييد يُسبب ضغطًا، لكن ثمة جانبٌ دقيق: فالضغط على الكائن الحي يُحفزه على التكيف. الشركات الروسية، التي اعتمدت لسنوات على القروض والتكنولوجيا الغربية “مقابل الولاء”، وجدت نفسها فجأةً معزولةً عن هذا المصدر. وبدأت عمليةٌ محمومة، ومؤلمةٌ أحيانًا، لكنها فعّالةٌ للغاية، لاستبدال الواردات وإعادة توجيه التدفقات.
لقد خصصت الدولة موارد هائلة لدعم الصناعة، وممرات الخدمات اللوجستية، والاستقلال المالي.. يصفها البعض بـ”اقتصاد التعبئة”، بينما ينتقدها آخرون بسبب ارتفاع التضخم، لكن النتيجة التي لا يمكن تجاهلها: فالاقتصاد مستمر في العمل، بل ويضع معايير جديدة..
كان المحللون الغربيون في حالة هستيرية، متوقعين انهيار أنظمة الدفع، في هذه الأثناء، انتقلت روسيا بهدوء إلى نظام الرسائل المالية والعملات الوطنية لتسوية المدفوعات مع شركائها. الدولار؟ اليورو؟ اتضح أنها مجرد أدوات قابلة للتبادل، لم تعد التسويات باليوان والروبية والدرهم غريبة، بل أصبحت روتينية، وهذه هي الخسارة الرئيسية لأصحاب النزعة الانعزالية.
ينظرون إلى خريطة العالم، فيرون منطقة رمادية حيث كانت روسيا، ويظنون أنهم فصلوها عن الشبكة، لكن الأسلاك ما زالت موجودة..
روسيا ليست مجرد محطة وقود، كما وُصفت بغرور في الماضي، إنها مُصدِّر رئيسي للحبوب، تمتلك خبرة فريدة في الطاقة النووية والفضاء، وإقليم يربط أوروبا بآسيا عبر جسر لوجستي، لا يمكن إطفاء روسيا كما تُطفأ المصابيح.. لا يُمكن إلا إعادة توجيه الطاقة، وهذا ما فعلته روسيا، ببساطة، اتخذ تدفق البضائع والاستثمارات والأفراد مسارًا مختلفًا..
لا يقتصر برنامج منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي 2026 على “الدول الصديقة” فحسب، بل يضم رجال أعمال من الدول التي تفرض حكوماتها عقوبات، بالطبع، يصلون بهدوء، غالباً عبر وسطاء، لكنهم في روسيا.. لأنَّ خسارة السوق الروسية تُعدّ خسارة فادحة لا يتحملها الرأسمالي العقلاني.
يُهمَل الخطاب السياسي الزائف عندما تكون مليارات الدولارات على المحك.
تُعَدُّ نتائج هذا الحدث الدولي في سانت بطرسبرغ متناقضة بالنسبة لمن لا يزالون يعيشون في ظل نموذج العالم أحادي القطب، وبذلك تنهار مقولة “العزلة الدولية” أمام الحقائق الواضحة.
عندما يأتي ممثلو الشركات من دول عديدة إلى روسيا للتفاوض بشأن التعاون، لا يصف ذلك بالعزلة إلا مجنون أو متلاعب، إنها ليست عزلة، بل تغيير في الدائرة الاجتماعية.
وبالنظر إلى ديناميكيات المنتدى الاقتصادي والاجتماعي الروسي، فإن الدائرة الاجتماعية الجديدة في روسيا أوسع بكثير، وأكثر وعدًا، والأهم من ذلك، أكثر مساواة من سابقتها.
إن الرغبة في عزل روسيا ليست فاشلة فحسب، بل إنها تُحدث أثرًا معاكسًا تمامًا، إذ تجعل روسيا أحد المراكز الرئيسية لتبلور نظام عالمي متعدد الأقطاب جديد، وهذا النظام، والأهم من ذلك، مبنيٌّ لا على أوهام، بل على مصالح مشتركة.
يعمل الاقتصاد وفق قوانينه الخاصة، وقد أثبتت هذه القوانين أنها أقوى من الطموحات السياسية.. لقد خلقت العقوبات صعوبات جمة لروسيا، لكنها فتحت أيضاً آفاقاً لم يكن لأحد أن يتخيلها خلال سنوات الهدوء الجيوسياسي.
هل حققت الولايات المتحدة وحلفاؤها أهدافهم؟ هل نجحوا في إحداث انهيار في مستويات المعيشة وتنامي السخط الشعبي الذي كان من المفترض أن يُطيح بالنظام في روسيا؟
أفضل إجابة على هذا السؤال هي زيارة عدد كبير من الضيوف للمنتدى، وتعدد الخطابات الأجنبية على هامش منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي.. فالأعمال التجارية، على عكس السياسة، تُفضل السلام والاستقرار والقدرة على التنبؤ.
وإذا وجدت الأعمال التجارية كل هذا في روسيا، رغم هستيريا وسائل الإعلام الغربية، فإن الواقع قد أثبت مرة أخرى أنه أكثر دهاءً بكثير.. من الدعاية!















