مقالات

الجزء ٢٢ ” هناك في شيكاجو”

بقلم / هناء عبيد

رغم أنّ كلام والدي كان فيه الكثير من المنطق حول الوقت المبكّر، لكنّه لم يكن الحوار الّذي توقّعته. قبل مجيئك أكّد لي أنّه موافق دون شروط على اقتراننا بعد إنهاء الجامعة، لم يشرح لي شيئًا عن موضوع الوقت المبكّر. كان كلّه حماسًا لرؤيتك ومقابلتك.
أصابني دوار غريب، انقلبت كلّ مشاعر الفرح إلى حزن. رأيت ملامحي في وجهك، غادرتني، وكان آخر لقاء. توجّهت إلى غرفتي، أغلقت الباب، بكيت بشدّة ولم أستطع التقاط أنفاسي. لم أستوعب رفض والدي لك، لقد امتدحك كثيرًا من خلال حديثي له عنك. حدّثته كثيرًا عن أخلاقك الطّيبة، وكفاحك مع والدتك، وعصاميّتك. كان يستمتع حين أروي له عن بطولاتك ومقاومتك للعدوّ في القدس، ومشاركاتك في كلّ مسيرة تطالب بحقوق الإنسان.
ما الّذي غيّر رأيه؟!
هل يمكن أن تكون إعاقة يدك هي سبب رفضه لك؟ لماذا لم يسألك عن سببها؟ لماذا لم تقل له: إنّها إصابة بسبب رصاصة عدوّ؟ أظنّه كان سيفتخر حين يعلم أنّك قدّمت جزءًا من جسدك قربانًا للكرامة والأرض، أيعاب الإنسان بوسام حفر على جسده ؟
كم بائس حال الإنسان، بين لحظة ولحظة تنقلب حياته رأسًا على عقب. يومي المشرق المضيء تلّون بسواد شؤم. البسمة الّتي ارتسمت على وجهي صارت دموعًا ملأت وسادتي. كانت ضربات أمّي الحانية على الباب كأنّها طرق على رأسي، مع علمي الشّديد أنّ أمّي تريد الاطمئنان عليّ بقلبها الحاني الحنون .
لم أدرك شيئًا في تلك الأثناء، كلّ ما أعرفه أنّني أصبحت شظايا قطع زجاج متناثرة؛ حتّى حنان والدي تحوّل في نظري إلى جرم وقسوة لم أستطع استيعابهما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى