د. محمد كامل الباز يكتب: ماذا لو إستيقظتَ ولم تجد متنورًا…؟
أكاد أجزم أن “المتنورين” المتحضرين الذين ظهروا علينا في العقود الأخيرة من أذكى الشخصيات الموجودة في الوطن العربي.. هو شخص يدّعي القوة والمثابرة، والمعارضة والمقاومة.
لكن… هل يناضل الظلم؟
هل يقاوم الأوضاع الفاسدة؟
هل يصطدم مع الحكومة؟
بالطبع لا.
هو شخص ذكي – كما ذكرتُ سابقًا – يعيش على صفحاته، يدّعي أنه في حالة رفض وصدام دائم، في حراكٍ وتأهبٍ مستمر.
لكن هذا الرفض والصدام ليس مع الفساد أو الظلم، بل مع التراث، مع البخاري، مع صحيح السنة، بل ومع آيات القرآن أحيانًا!
هنا يكون الصدام آمنًا، والرفض مباحًا، هنا لا يُدفع الثمن بل أحيانًا يُقبض الثمن!
تابعتُ صفحة أحد المتنورين فارتجفتُ من شدة التعليقات وضخامة التفاعلات:
(عشتَ دائمًا مناضلًا – دام صوتك صوتًا للحق – عهدناك دائمًا مقاومًا – ستنتصر في حربك أيها الفارس الشريف…)
شعرتُ أن هذا “المتنور” في حربٍ ضروس، يدافع فيها عن قضية مظلوم ما، توقعتُ أن تلك الحرب ستُكلّفه الكثير، فربما يتحدث عن غلاء الأسعار أو معاناة الطبقة الكادحة، وبالتالي فهو في صدامٍ مباشر مع الحكومة، وتصبح حينها تلك الكلمات في محلها.
تخيلتُ أنه يدافع عن غزة، وتعرّض لحظر وضغوطٍ بسبب تضامنه مع فلسطين، أو ربما سلط الضوء على قضايا التحرش بالأطفال، فدخل في خلاف مع القضاء وطالب بتغيير القوانين من مجلس النواب.
هذه هي البطولات المنطقية التي توافق ما قرأته من تعليقات تمجّد ذلك المتنور.
لكن المفاجأة كانت… أن البوست الأساسي كان تهكّمًا على البخاري!
كان يهاجم التراث، وكان نضاله مع السلف الأولين!
ذكرتُ سابقًا في أحد المقالات أن “المتنورين” يختارون أسهل أنواع الصدام، وهو الصدام مع التراث، بحيث يكون خصمهم علماء الدين والأساتذة الأكاديميون والخطباء الأزهريون، وهم في الواقع خصوم “مُستأنسون”، لا خوف منهم ولا ضغط.
كل الكتّاب الأحرار والمناضلين يكون صدامهم عادةً مع الجهات الأقوى في البلد: مع هذا المحافظ أو ذاك الوزير، مع هذه المؤسسة أو تلك الهيئة.
ينتقدون مجلس النواب في قضية، ورئاسة الوزراء في أخرى. هذا هو الحال في الدول المتحضّرة.
أما عندنا، فتجد “المقاومة والنضال” سباحة مع التيار!
فـ”المتنور” يعارض ويقاوم أشخاصًا ماتوا منذ قرون، ويدّعي بذلك بطولة وهمية!
يفطر في أغلى المطاعم، ويحضر أكبر الحفلات، ويأتينا مساءً ليُتحفنا بمنشور عن “النضال” و”مقاومة التراث”!
والله، ثم والله، لا أعلم من أين يكتسب هؤلاء شرعيتهم، أو ماذا يقدّمون فعليًا للمجتمع؟
كل المهن تفيد المجتمع:
الضابط، الطبيب، المعلم، المهندس، النجار، السباك… كلهم يؤدون دورهم ويخدمون الناس، ويرتزقون من مهنتهم.
إلا هذا المتنور! أجده 24 ساعة أمام السوشيال ميديا، يبلينا كل ساعة بمنشور “عميق” لا فائدة له!
يعالج الطبيبُ المرضى ويخفف من آلامهم، في حين يجلس هذا المتنور “المضيء” يسخر من حديث الذبابة!
يقف الجندي على الحدود ليحمي الوطن في عزّ الحر، بينما المتحضر المثقف يجلس تحت التكييف، ينتقد توزيع الميراث في القرآن بين الرجل والمرأة!
سألتُ نفسي سؤالًا وجوديًا:
ماذا لو صحونا من نومنا ولم نجد أطباء أو ضباطًا أو معلمين في بلدنا؟
هل تتخيل كيف ستكون الحياة؟ بالطبع ستكون صعبة ولكن يبدو أن هناك تخيل أصعب
سألتُ نفسي سؤالًا آخر:
ماذا لو لم يكن هناك “متنور” مثقف في بلدنا؟
جلست أتخيل الإجابة، وشعرتُ بمأساة “ظلامية” كبيرة تهاجمنا!
قد تتوقف عجلة العمل، وتُصاب البلاد بالشلل، ويُشلّ الإنتاج، ويتهدد الاقتصاد!
ستنهار الثروات، وتبور الأراضي الزراعية!
كيف نعيش دون منشور تنويري؟
كيف نحيا دون توصية تثقيفية من هؤلاء؟
كيف سيربي الأب ابنه، وتربي الأم ابنتها، دونهم؟
إن غياب هؤلاء “التنويريين” مصيبة كبرى، تبدأ باختفاء كتاباتهم “المحورية” التي يتوقف عندها الكون، وتنتهي بتصديق الناس أن لصلاة الفجر لذة تشعرهم بالراحة والسكون!
نعم، الشعب مستعد أن يعيش دون طعام أو دواء، دون مسكن أو كساء،
لكن أن يعيش دون مفكر تنويري يُفنّد له حديث بول الإبل، أو يعطيه درسًا في وجوب خلع الحجاب، فهذه كارثة قومية!
كارثة مجرد تخيّلها يجعلني أتمنى أن يصبح الحلم حقيقة، والتخيّل واقعًا!
فإن كانت الكوارث عامةً نوعًا من المصائب الضارة،
فهنا تكون الكارثة… هادفة، والضّرة نافعة.












