مقالات

د. شادي الكفارنة يكتب: غزة ما بين الإستقرار والفوضى

في ظل ما نعيش فوضى الحرب في قطاع غزة تبرز بين السطور نغمة خافتة من الخوف؛ الخوف من تطرفٍ قادم، من انزلاقٍ نحو مزيد من التشدد، وكأن الألم قد لا يلد إلا مزيدًا من القسوة ، لكن هذه النظرة، وإنْ بدت واقعية، فهي ليست قدرًا محتومًا، ولا مسارًا لا رجعة فيه ، وإن احتمالية التطرف القادم بأشكاله قد ينجم من بطون الانتماءات السياسية أو من جمهور خارجها ليشكل ظاهرةً عامة ، إنّ كارثة الحرب التي سببت الضرر والامتعاض لأصحاب الانتماءات السياسية هي مقدمة وتمهيد للتطرف القادم ، فالحرب كونت حالة إضافية من الإحباط لجمهور عامة الناس في عدم تحقيق النصر المطلوب، وعلى هذا البحث عن بدائل جديدة تُشكل حالة انتماءات ثانية تتبنى الأفكار التي فشل تطبيقها، وتغيير الانتماءات وتبديل الولاءات في ظل أن تبني بعض الناس الاعتدال الذي يبني ويستمر ، وتؤمن بعدم صعود التطرف القادم.

إن أول أشكال التطرف التي قد تتصاعد في واقعنا هو التطرف الفكري الذي يتبنى فيه الفرد معتقدات وأفكار يتمسك بها، ويعتقد بأنها صحيحة ومطلقة ؛ فيبدأ بالتعصب لانتمائه والتصلب في مواقفه والإفراط في تعاملاته ، وإن فشل يضطر ساعيًا للبحث عن أصحاب المنهج المصاحب لهذا المنهج ؛ ليكوّنوا فكرًا متشددًا بعيدًا عن الوسطية المألوفة في مجتمعنا.

كذلك حالة الفوضى وعدم الانضباط الناجمة من الحرب قد تقودنا إلى التطرف الاجتماعي الذي يتجاوز فيه آخرون حد الاعتدال والتوسط الاجتماعي؛ مما يؤدي إلى آفات اجتماعية وسلوكيات عدوانيّة ومواقف متسلطة؛ يجعل العلاقات الاجتماعية مضطربة غاية الاضطراب حتى مع المقربين للمتطرف، فهو دائم الصراع مع من حوله، ويحاول تشويه فهم الآخرين وإدراكهم، والمبالغة والتهويل الشخصي للأمور، والتعميمات الخاطئة، وتجد أن التطرف جره إلى منحى التعصب في تقييم المرأة والولاء للعائلة القبلية والعنصرية للمناطقية والانتماء للجغرافية، وانحرافه عن الأعراف المجتمعية والسلوكيات الاجتماعية السائدة في المجتمع .

وقد تظهر كارثة الحرب التطرف السياسي القادم الذي يتبنى فيها الأفراد موقفًا سياسيًا محددًا، رافضين أي مجال للحوار أو النقد، والتعصب نحو المبادئ السياسية التي يضعونها، وعدم تقبل الآخر ، والاعتقاد بأن حزبهم السياسي فقط هو الأوحد الذي يُقدم الانتصارات والإنجازات، ويحقق الأهداف المنشودة، وفيه يتم إقصاء كل من يحاول المشاركة السياسية معهم، ويصل هذا التشدد إلى خيارات عدمية لتحقيق معتقداتهم وأفكارهم الذي يعدونها صحيحة ومطلقة.

كما أن فوضى الحرب ستشكل تطرفًا دينيًا من خلال خروج الفرد عن مبدأ الوسطية فيما يتعلق بفهمه للدين، معتقدًا أن الحرب وما نحن فيه هو نتاج أعمالنا وهو عقاب رباني علينا من سوء أعمالنا وفواحش تصرفاتنا؛ لذلك حق علينا العذاب، يتطرف فكره ويحاول اتهام سلوك الناس بالمعصية في مجتمعنا، وأنهم سبب موتنا وضيق حالنا؛ لذلك يحاول الوصول لتحقيق فكره الذي يعتقد بأنه يوصله الجنة والحصول على المكافأة الكبرى من الحور العين من وجهة نظره ، فتجده يطالب بحكم المعتقد الديني باسم المقدس، وتنفيذ الأوامر الإلهية، وتبني أفكار أنهم خلفاء الله في الأرض ووجب عليهم إصلاحها، وأنهم ظل الله في الأرض فلا بد عليهم تنفيذ أوامره، وأنهم الوسطاء بين الله والناس وأنه اصطفاهم واختارهم ليكونوا السيف على رقاب الناس يحكمون في الأرض دون احتمالية من الوسطية المعتدلة التي تكون مناسبة ونسبية الانتصار والهزيمة معًا دون حظر ومنع في الخيارات.

مجمل القول إن توقع التطرف القادم بأشكاله المذكورة ليس من وحي الخيال بل من الصورة الواضحة لأسباب التطرف التي نعيشها الآن بفوضى خلاقة في بيئة اجتماعية حاضنة له، وفكر يشحنه، وثقافة تؤسس له من حالة الفراغ الوجودي للفرد دون وزن وقيمة ومكانة واعتبار واحترام ووجود له، وفقدان المعنى لحاضره الذي أفقده معنى الحياة وأنه بلا فائدة وهدف ووجود في هذا الواقع، وهو مهمش المكانة المجتمعية والدور الاجتماعي ، ناهيك عن أن الأسباب تتعدى إلى غياب مشاريع التنمية دون وضع الخطط التنموية وتحديد الأفق ؛ مما يشعر الفرد بأنه غارق في الفقر ممزوج في البطالة دون ضمان اجتماعي يكمل الدائرة الاقتصادية، وخائف من العنف والجريمة ، وقلق من عدم الاستقرار الاجتماعي ،وتائه في غياب القانون ، ومضطرب نفسي ، فاقد الأمل ، عاجز عن حماية نفسه ، شاعر باليأس والإحباط ؛ مما يؤدي أخيرًا إلى خيارات عدمية بسبب التطرف المُشكل، لذا وجب علينا أن تتكاتف جهودنا في تحقيق الاستقرار الوطني، والتصدي بوعي لتجنب التطرف القادم، ونحقق السلم الأهلي لنصل إلى الاستقرار المجتمعيّ، فتتوحد حالتنا، ويسود النظام القانوني في المستقبل القريب بدلًا من التطرف القادم المقيت، آملين أن يثبت الناس في هذه البيئة المهيئة للتطرف مزيدًا من الوعي والحياة ما يكفي ليجعل المستقبل—رغم كل شيء—أكثر رحمة مما يُخشى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى