دكتور محمد كامل الباز يكتب : دمعة في كلام من دهب
مما لا شك فيه أن الحنين إلي الماضي شىء جميل بديع بل ومبهج ايضا، يأخذك الماضي لترجع سنين للوراء تتذكر ذكرياتك وحياتك مع احباؤك، قد يكون منهم من فارق الحياة وآخرون مازالو معك …
هنا تشعر بنوع من الحزن الممتع الذي يتداخل فيه الشجن على فراق الأحبة مع التمتع بذكراهم …
شهر رمضان بكل ما فيه ايضا يختلف فى الماضي عنه فى الحاضر ..الاختلاف أصبح فى معظم الاشياء بخلاف العبادات والطاعات التي هى موجودة منذ تشريع الصيام وحتي الآن فلن يتغير الشرع ولن تتبدل الأوامر والطاعات،
أما عادات الناس وطبيعة حياتهم في ذلك الشهر الكريم من الممكن أن تختلف وفق متغيرات المجتمع …
بينما أنا اتجول بين قنوات التلفاز إذ هاجس دائما يرجعني للخلف و للوراء عشرات السنين ..فاستقر بيا المطاف عند قناة ماسبيرو زمان والتي تقريباً تعيدك إلي أيام الزمن الجميل فى رمضان ..
تذكرت حياتي وقتها.. تذكرت والدي وأختي رحمة الله عليهما، تذكرت كل الايام الجميلة مع العائلة، مع والدتي واخوتي أطال الله عمرهم …. تذكرت كل شىء جميل كان هناك في ذلك الزمن الجميل، أثناء تذكري والقناة تتوالي برامجها .. إذ ببرنامج كان مشهور وقتها جدا إسمه كلام من دهب …
للمقدم المتألق آنذاك ، طارق علام ..
يتخلص فكرة البرنامج فى أن المذيع يجوب الطرقات هنا وهناك ويسأل سؤال معين ومن يجيب عليه يكسب جنيه دهب ( يعتبر ثروة الآن)
كان من ضمن الأسئلة سؤال ما هو الغسق …
أخذ يذهب هنا وهناك حتي تقابل مع احدي السيدات المسكينة ..كان معها طفلها، وسألها السؤال وكانت طريقة المذيع أنه دائماً يحاول تمرير الجائزة للفقراء والمساكين، تم تبسيط السؤال وبالفعل تلك المسكينة فازت بالجنيه الدهب، تأتي هنا موسيقي البرنامج التي كان ترن في أذني منذ عشرات السنين ..ليأتي معها تذكر كل شىء جميل ..
لكن بعد انتهاء الموسيقي وجدنا بكاء هستيري من السيدة المسكينة …
طلب منها طارق علام ألا تبكي وتحاول أن تبتسم ..
حكت ملخص عن حياتها… كان تنظر لابنها…طفل لم يتجاوز الثامنة من عمره مصاب بالسرطان ..
داخت معه السبع دوخات يوميا من أجل العلاج أو توفيره في معهد الأورام …كان هذا سبب بكاؤها أمام الكاميرا ..لم تتمالك نفسها …لم تستطع التحمل أو القدرة على الفرحة مثلما قال لها المذيع …شعرت أن الله أراد أن يخفف عنها شقاؤها وتعبها فأرسل لها ذلك المذيع …كان بكاؤها بسبب تذكر كل الألم والتعب التي تعانيه ..
عندها أربعة أبناء وتعيش مع أولادها وزوجها فى شقة ايجارها واحد و ثلاثون جنيه، زوجها يقبض واحد وتسعون جنيه !! متخيل كمية الألم والحزن …متخيل مدي البؤس الذي كانت فيه تلك السيدة ..معاناة كبيرة لأسرة بسيطة تكالب عليها الفقر والمرض،
كيف تعيش تلك الأسرة المكونة من ستة أفراد بستين جنيه …نعم هذا الكلام في التسعينات ولكنه مبلغ صغير جداً لأسرة من ست أفراد،
ذلك بالطبع بخلاف مصاريف العلاج والدواء …
ماذا فعلت أم محمد ..تمنيت لو عرفت اخبارها وأخبار محمد ابنها، تمنيت لو رجعنا إلي زمنها لنعرض حالتها على أي من القادرين يتكفل بها …
عندما رجعت لذلك العصر تذكرت الحكومة وقتها .. تذكرت من يخرج جهاراً نهاراً يستجدي العطف والتسامح لحكم مبارك .( أنا آسف يا ريس)..نعم هو بين يدي الله الآن ولكن اين محمد وأمه…هل مازال محمد علي قيد الحياة أم تراه فارقها منذ وقت ليس بالقليل …..
ماذا فعلت تلك الأسرة المسكينة وكيف واجهت الحياة،
أخذت اتابع تلك القتاة لأعود إلي الزمن الجميل واهرب من هذا الواقع المؤلم وإذ بي أتوجع أيضا في الماضي،
لم تكن تلك الذكريات التي شهدتها فى برنامج كلام من دهب حزينة فقط بقدر ما كانت مؤلمة …لم أشعر فيها كما بدأت في المقال بالحنين إلي الماضي ولكني تمنيت الهروب منه …تمنيت الهروب من ماضي به أم لأربع أولاد يذهب تلت دخل الأسرة في الإيجار ولا أعرف ما يتبقي لهم ماذا سيفعلون به،
تمنيت الهروب من ماضي به أم خرجت أمام الشاشات منكسرة تبك من أجل ولدها الذي لا تملك له حق الدواء …
تمنيت أن رجعت لزمنها كي اساعدها واخفف عنها،
كل مسئول رأي ام محمد ولم يفعل لها شىء بالتأكيد سيسأل أمام الله
كل واحد كان يمتلك مساعدة تلك الأم البائسة ولم يقدم لها شىء سيحاسب علي ذلك ….
قالها ابن الخطاب منذ مئات السنين واتعب كل مسئول من بعده ..
لو تعثرت بغلة فى العراق لسئل عنها عمر!!
يخشي ذلك العملاق أن يسأله الله عن دابة قد تعثرت و اين ؟ في مكان يبعد عن مكان حكمه مسيرة الأيام…
فإن كان بن الخطاب خشي أن يسأله الله عن دابة فى العراق …
فلماذا لم يخشي غيره وقد ظهرت أم محمد تبكي على حالها وتخشي على أبنها من ألم الفراق ؟!!!
تمنيت لو رجع بيا الزمن لأقول لها
إذا كان الكلام من دهب فدموعك عندنا أيتها الأم المسكينة أغلي من كل الدهب .












