مقالات

الدبلوماسية العُمانية حاضرة بقوة في المشهد الدولي المعقد


بقلم/أحمد تركي… خبير الشؤون العربية

تتواصل أعمال العنف في الشرق الأوسط لتدخل قريباً أسبوعها الثاني على التوالي، بعد الضربات العسكرية الواسعة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، والضربات اللاحقة التي شنتها إيران وطالت عددا من دول المنطقة. هذا التصعيد المتزايد تسبب في عرقلة حركة الملاحة الجوية وقطاعات النقل والحياة اليومية، وسط مخاوف متصاعدة من انزلاق المنطقة نحو نزاع إقليمي أوسع.
FB IMG 1743251963089

وفي أجواء الحرب المشحونة، تبدو في الآفاق سلطنة عُمان بدبلوماسيتها المعهودة وعلى كافة المستويات، ومع إندلاع الأحداث، أجرى السلطان هيثم بن طارق سلطان عمان اتصالات هاتفية مع كلٍّ من: أمير الكويت ورئيس الإمارات وأمير قطر وملك البحرين وولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي للاطمئنان على سلامة دولهم وشعوبهم، معربًا عن تنديد سلطنة عُمان واستنكارها للتصعيد العسكري وما ينطوي عليه من مخاطر جسيمة، في ظل التطورات الخطيرة الناجمة عن الاستهدافات الإسرائيلية والأمريكية على إيران، محذّرًا من تداعيات ذلك على أمن واستقرار المنطقة.

وأكد السلطان هيثم على ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، وضبط النفس، والوقف الفوري للأعمال التصعيدية، والعودة إلى مسارات الحوار والدبلوماسية بما يصون أمن واستقرار المنطقة وسلامة شعوبها.

ومن جانبهم، أعرب قادة دول الخليج عن بالغ تقديرهم للنهج المتزن والحكيم الذي تنتهجه سلطنة عُمان، بقيادة السلطان هيثم، في دعم السلام وتعزيز الحوار وتقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف.

ومع استمرار حالة الحرب، أجرى الرئيس عبد الفتاح السيسي، اتصالًا هاتفيًا بالسلطان هيثم بن طارق، تناول الاتصال تطورات التصعيد العسكري في المنطقة، حيث أعرب الرئيس عن إدانة استهداف ميناء الدقم العماني، كما شدد على موقف مصر الثابت الداعي إلى تغليب الحوار والوسائل السلمية لتسوية الأزمات الإقليمية، محذرًا من التداعيات الخطيرة التي قد تترتب على انزلاق المنطقة إلى حالة من الفوضى جراء هذا التصعيد.

كما ثمّن الرئيس السيسي الدور المهم الذي تضطلع به سلطنة عُمان في الوساطة وتيسير المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن الملف النووي الإيراني.

ومن جانبه، أعرب السلطان هيثم بن طارق عن تقديره لموقف مصر الداعم لتسوية الأزمات عبر الوسائل السلمية وحرصها على احتواء التوترات الراهنة، مؤكدًا اعتزازه بالعلاقات الأخوية التاريخية التي تجمع بين مصر وسلطنة عمان. وتم الاتفاق في ختام الاتصال على مواصلة التشاور والتنسيق بين البلدين، بما يسهم في احتواء التصعيد الراهن وتجنيب المنطقة مخاطر عدم الاستقرار.

كما تلقى السُّلطان هيثم بن طارق اتصالات هاتفية من كلٍّ من: رئيس جمهورية أوزبكستان، ورئيسة جمهورية تنزانيا المتحدة، ورئيس الاتحاد السويسري، جرى خلالها تبادل وجهات النظر حول تطورات الحرب الدائرة في المنطقة، وما تفرضه من تداعيات على أمن واستقرار الدول وشعوبها، والتأكيد على ضرورة التعاطي مع هذه الأزمة بالحكمة وبُعد النظر من خلال وقف إطلاق النار والتهدئة والعودة إلى الحوار والحلول السياسية والدبلوماسية.
IMG 20260302 WA0036
وكانت وزارة الخارجية العُمانية أعربت عن أسف سلطنة عُمان الشديد للعمليات العسكرية التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران، محذرةً من خطر توسع الصراع إلى ما لا يحمد عقباه في المنطقة. وقالت الخارجية- في بيان رسمي- إن سلطنة عُمان تعتبر هذا العمل عملًا يتنافى مع قواعد القانون الدولي ومبدأ حل القضايا بالوسائل السلمية لا بالوسائل العدائية وسفك الدماء، داعيةً جميع الأطراف إلى تعليق الأعمال العسكرية فورًا.

وحثت سلطنة عُمان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على عقد اجتماع عاجل لفرض وقف إطلاق النار واتخاذ المجتمع الدولي موقف واضح يدعم القانون الدولي. وأكدت سلطنة عُمان- في البيان- حق الدول في الدفاع عن النفس وفق القانون الدولي، بينما تدعو في نفس الوقت إلى ضبط النفس والالتزام بالحلول الدبلوماسية.

بدوره، أكّد وزير الخارجية العُماني، بدر بن حمد البوسعيدي أنّ باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحاً لحل النزاع بين الولايات المتحدة وإيران، مجدداً ثقته بقدرة المسار الدبلوماسي في هذا الشأن. وأشار إلى أنّ المحادثات التي عُقدت في جنيف قد أحرزت تقدمًا حقيقيًا نحو اتفاق غير مسبوق بين الجانبين، موضحًا أنه رغم تعثّر الأمل في تجنّب الحرب، إلا أن ذلك لا يعني انطفاء الأمل في السلام.

كما تلقى وزير الخارجية العُماني اتصالًا هاتفيًّا من نظيره الإيراني عباس عراقجي، أعرب فيه عن تقدير بلاده لدور سلطنة عُمان البنّاء ومساعيها الدبلوماسية المتواصلة الرامية إلى نزع فتيل الأزمة الراهنة والعودة إلى مسار الحوار والتفاوض.

وأكد بدر البوسعيدي على استمرار سلطنة عُمان في الدعوة إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى الحوار والتفاوض لحلّ الصراع الدائر دبلوماسيًّا وبما يحقق المطالب المشروعة لجميع الأطراف، داعيًا الجانب الإيراني إلى التحلي بضبط النفس وتفادي كل ما من شأنه أن يقوض ويؤرق علاقات حسن الجوار.

كما التقى وزير الخارجية العُماني مع سفراء الدول الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان” المعتمدين لدى سلطنة عُمان، وذلك في سياق الجهود الدبلوماسية العُمانية المتصلة بالحرب التي تشنّها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية على إيران وتداعياتها الخطيرة على المنطقة، والحاجة إلى وقفها واحتواء التصعيد الناجم عنها وآثاره على الأمن والاستقرار الإقليمي.

والتقى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش بالسفير “عمر بن سعيد الكثيري” الممثل الدائم لسلطنة عُمان لدى الأمم المتحدة، وناقشا الوضع في المنطقة والحاجة الملحة لإنهاء التصعيد العسكري الراهن والعودة إلى الحوار.

خلاصة القول أن الدبلوماسية العُمانية حاضرة وبقوة رغم المشهد الدولي المعقد والمتشابك والمرتبك، فقد كشفت الجولات التفاوضية الثلاثة التى تمت برعايتها بين أمريكا وإيران في مسقط ثم في جنيف، عن الرغبة العُمانية الحثيثة نحو خيار السلام. ولهذا تمسكت عُمان بالمسار التفاوضي، حتى بعد أحداث يونيو 2025 عندما ألغت الحرب الإسرائيلية على إيران مفاوضات الملف النووي التي كانت تُنقل عنها مؤشرات إيجابية.

وتكشف الصورة الجارية الآن للحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، أن تفضيل سلطنة عُمان لخيار الدبلوماسية وإلحاحها عليه لم يكن لأسباب قيمية فقط، يتعلق الأمر بخبرة عُمان بتاريخ المنطقة وتعقيداتها الثقافية، وأيضا يتعلق الأمر بموقع عُمان وطبيعة أمنها؛ فهي تنظر للحرب بوصفها آلية تولِّد تبعات تتجاوز هدفها المعلن، وتتضاعف هذه التبعات مع الزمن، وتنتقل عبر الجغرافيا، وتُصيب ـ بطبيعتها ـ من هم خارج دائرتها الأولى.

ورغم ما سببته الحرب من خيبة أمل للمسار الدبلوماسي خاصة وأنه وصل إلى أن يكون الاتفاق “في متناول الأيدي” كما قال وزير الخارجية العُماني، إلا أن سلطنة عُمان ما زالت تلح على فكرة الحل الدبلوماسي رغم وعيها بجوهر التصورات الغربية لما يجب أن تكون عليه موازين القوة في الشرق الأوسط.
المؤكد أن الحراك السياسي الكبير الذي تقوده سلطنة عُمان بقيادة السلطان هيثم بن طارق، عبر الحوارات اليومية ـ كما أشرنا سلفاً ـ مع قادة العالم في شرقه وغربه منذ بدء شرارة الحرب الأولى يؤكد إيمان عُمان بخيار السلام وكلفة الحرب وأثمانها التي ستبقى تأثيراتها لأجيال قادمة سواء على المستوى الاقتصادي أو المستوى الثقافي في منطقة كانت عبر قرون شديدة التعقيد.

وكانت عُمان قد تبنّت خلال العام الماضي ما يمكن تسميته “سياسة تقليل المخاطر”، لم تجمع الخصوم لأن التفاهم في رؤيتها أجمل من الصدام، بل لأن ترك الملف على حافة الانفلات يعني أن شرارة واحدة قد تتحول إلى سلسلة ارتدادات. وبالنسبة لدولة مثل عُمان تطل على واحد من أكثر ممرات الملاحة حساسية، يصبح خفض احتمالات الحرب جزءًا من تعريف مصلحتها الوطنية.

إذ يقوم منظور عُمان على إدراك مبكر لخطر “العدوى الاستراتيجية” التي تعني أن كلفة الحرب لا تبقى داخل مسرحها. تبدأ بين طرفين، ثم تتحول إلى اضطراب إقليمي يطال الجيران والأسواق والملاحة والأمن الداخلي. وبعد ذلك تتجاوز الإقليم عبر الطاقة والتأمين وسلاسل الإمداد. وما يبدو بعيدا في الخرائط يصبح قريبا في تفاصيل حياة الناس اليومية مثل القلق والخوف والتردد الاستثماري والإحساس العام بفقدان السيطرة على المستقبل القريب.

والمنطقة تعيش هذا الأمر الآن؛ ولذلك فإن السؤال الاستشرافي لا ينغمس في اللحظة الآنية وإنما في شكل المنطقة بعد ثلاث سنوات من تراكم كل هذه الارتدادات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية.

وإذا لم تنجح الدبلوماسية في وقف الحرب ـ لا لقصور في أدواتها أو ضعف في حججها المنطقية ـ فلا يعني هذا تجاوز خيارها فمهمة الدبلوماسية تستمر حتى في لحظة الحرب بهدف تحديد حدودها وفتح منافذ للخروج منها.

فالسلام هو الطريق الوحيد للوصول للاستقرار الإقليمي والدولي، خصوصا أن باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحا لحل النزاع بين الولايات المتحدة وإيران وكما قال وزير خارجية عُمان مخاطباً الولايات المتحدة “هذه الحرب ليست حربكم”.

إجمالي القول أن حضور الدبلوماسية العُمانية بقوة في المشهد الدولي المتشابك، ينبع من عقيدتها السياسية ونهجها المتَّزن وخبرتها التاريخية في دعم السلام، وتعزيز الحوار والحياد الإيجابي من خلال نهج الوساطة الهادئة، وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، وتغليب الحوار والدبلوماسية كخيار استراتيجي دائم، بما يُسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي عبر سياسات متوازنة ومسؤولة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى