مقالات

بقلم / المفكر العربي د.خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي ورئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن إحترام الكبير

مما لاشك فيه أن أعظمِ الأخلاقِ التي ينبغي أنْ يتحلَّى بها المسلمُ في حياتِه: خلقُ الاحترامِ ،
والاحترامُ كلمةٌ تضمُّ مجموعةً مِن المشاعرِ الإيجابيةِ المتمثلةُ في الحبِّ والعنايةِ والتقديرِ، وهي صفةٌ إنسانيةٌ جليلةٌ تحملُ في طياتِها معاني أخرى من الشموخِ والرفعةِ والعزةِ، والاحترامُ عكسُ الازدراءِ أي الاحتقار
والاحترامُ أيُّها السادةُ : خلقٌ عظيمٌ من أخلاقِ الدينِ، ومبدأٌ كريمٌ مِن مبادئِ الإسلامِ، وشِيمةٌ مِن شيمِ الأبرارِ الأخيارِ، وصفةً مِن صفاتِ المؤمنين الموحدين، أمرنَا بها الدينُ، وتخلّقَ بها سيدُ المرسلين ﷺ، تدلُ على سموِّ النفسِ، وعظمةِ القلبِ، وسلامةِ الصدرِ، ورجاحةِ العقلِ، ووعيِ الروحِ، ونبلِ الإنسانيةِ وأصالةِ المعدنِ ، واحترامُ الناسِ وتوقيرُهم

الاحترامُ أدبٌ رفيعٌ يتحلَّى به الموحدُون، ويتصفُ به الكبارُ، وصفةٌ أخلاقيةٌ حميدةٌ، وحاجةٌ إنسانيةٌ نبيلةٌ، وقاعدةٌ مهمةٌ في بناءِ العلاقاتِ العامةِ، وكسبِ ودِّ الآخرين ومحبتِهم، والاستزادةِ مِن الأصدقاءِ والمعارف.ِ
وشريعةُ الإسلام جاءت بِما يُقوِّي الرَّوابطَ بين أفراد المجتمَعِ صغيرِه وكبيره، غنيِّه وفقيره، عالِمِه وجاهِله. جاءت بما يقوِّي تلك الأواصرَ؛ حتَّى يكون المجتمع المسلِم مجتمعًا مثاليًّا في فضائلِه وقِيَمه، وفي شريعة الله كلُّ خير وهدًى، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 57]..

أيُّها السادةُ: لو نظرنَا إلى القرآنِ الكريمِ وتأملنَا ما فيه لوجدنَاهُ يأمرُنَا بالاحترامِ والأدبِ والتخلقِ مع الناسِ بأخلاقِ الإسلامِ وكيف لا ؟ واللهُ أمرَ نبيَّه ﷺ بالاحترامِ وبالأدبِ وباللينِ وبالرفقِ مع أصحابهِ بل ومع الناسِ أجمعين فقال مخاطبًا إياه: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) الحجر: 88،
وقال جل وعلا: (فبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) آل عمران: 159.ولم لا ؟ ولقد جاءَ الاحترامُ في الإسلامِ في المخاطبةِ والحديثِ مع الناسِ فقال تعالى: (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا) البقرة: 83، أي تخيرُوا مِن الكلماتِ أحسنَهَا ومِن العباراتِ أدقَّهَا ومِن الألفاظِ أجملَهَا جبرًا لخواطرِ الناسِ ومراعاةً لمشاعرِهِم واحترامِهِم، وفيمَا بينَ المؤمنين أنفسِهِم أمرَهُم بالاحترامِ والأدبِ والأخلاقِ قال تعالى: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) الإسراء: 53، أو في دعوةِ الناسِ إلى الإسلامِ حتى وهم كفارٌ ملحدون أمرنَا بالحكمةِ والاحترامِ والأدبِ والتخلقِ بأخلاقِ الإسلامِ قال تعالى:(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) النحل: 125، وقال جلَّ وعلا: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) العنكبوت: 46، وقال تعالى لموسى وهارون -عليهما السلام عندمَا أمرهُمَا بالذهابِ إلى فرعونَ فقالَ ربُّنَا: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى, فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) طـه:43 ،44، يا الله، لفرعونَ الذي قالَ:( أنَا ربُّكُم الأعلى)، فبما بالكُم بمَن قالَ: ( سبحانَ ربِّيَ الأعلَى)؟، حتى في الخصومةِ مع الآخرين أمرنَا بالاحترامِ وبعدمِ الاهانةِ وتحقيِرِ الناسِ قال ربُّنا : (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فصلت: 34،

وعن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه قال: (أَحْبِبْ حبيبَك هونًا مَا، عسى أنْ يكونَ بغيضَكَ يومًا مَا، وأبغضْ بغيضَكَ هونًا مَا، عسى أنْ يكونَ حبيبَكَ يومًا مَا) رواه الترمذي،

لقد خلق الله الإنسان، وجعل حياته تمر بثلاث مراحل:
● مَرْحَلَةِ الضَّعْـفِ، وَهِيَ مَرْحَلَةُ الطُّفُولَةِ وَالصِّغَرِ، وَفِيهَا يَبْدُو الإِنْسَانُ مُحْـتَاجًا إِلَى الرِّعَايَةِ وَالعِنَايَةِ، وَيَبْـذُلُ وَالِدَاهُ جُهُودًا كَبِيرَةً فِي مُسَاعَدَتِهِ وَالحِفَاظِ عَلَيْهِ،
● ثُمَّ مَرْحَلَةِ الشَّبَابِ، وَهِيَ مَرْحَلَةُ القُوَّةِ وَالنَّشَاطِ وَالهِمَّـةِ، وَالعَمَلِ الكَادِحِ وَالإنتاج، وَفِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ يُعَدُّ الإِنْسَانُ سَاعِدَ الحَيَاةِ القَوِيَّ، وَالمَسْؤُولَ عَنْ تَقَدُّمِهَا أَوْ تَأَخُّرِهَا،
● إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى مَرْحَلَةِ الضَّعْـفِ وَالشَّيْخُوخَةِ، وَفِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ تَتَرَاجَعُ قُوَّةُ الإِنْسَانِ، وَيَنْحَسِرُ عَطَاؤُهُ وَنَشَاطُهُ، وَتَتَوَقَّفُ الكَثِيرُ مِنْ أَعْمَالِهِ وَحَرَكَاتِهِ، حَتَّى يَعُودَ مُحْـتَاجًا مَرَّةً أُخْرَى إِلَى المُسَاعَدَةِ وَالعَوْنِ، وَالعَطْفِ وَالرَّحْمَةِ.
لقد أوصتْ الشريعةُ الإسلاميةُ أنْ نحسنَ إلى الكبيرِ الذي تقدّمَ بهِ العُمُرُ؛ لأنَّ سنةَ الحياةِ اقتضتْ أنْ يعيشَ الإنسانُ فترةَ شبابهِ ثم يصيرُ شيخًا كبيرًا،
وَقَدْ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ المَرَاحِلَ الثَّلاثَ، فقال -سبحانه-: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) [الروم:54].

● أيّها الشابّ في شبابِك حيويّة وقوّةٌ شبابيّة، ترى نفسَك وأنت ممتَّع بسمعك وبصرِك وسائرِ قوَّتك، يمرُّ بك ذو الشّيبة من المسلمين فما ترعى له حقًّه، لا تسلِّم عليه أحيانًا، ولا تقدر له قدرَه، وربما ضايقتَه في الطريق، وربما سخِرتَ منه، وربما استهزأتَ به، وربما عِبتَه، وربما قلْتَ وقلت.
أيّها الشابّ إن كنتَ ممتَّعًا الآن بقوَّتك، فتذكَّر بعد سنين ضعفك .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى