المدينة الإسلامية المقدسة الرابعة المنسية في إفريقيا هرر.. الجوهرة الخفية للحضارة الإسلامية الأولى
- في أعماق شرق إثيوبيا تقف مدينةٌ إسلامية عريقة يكاد كثيرٌ من المسلمين في العالم لا يعرفون عنها شيئًا، رغم أنها كانت عبر قرون طويلة مركزًا عظيمًا للعلم والروحانية والقرآن والفقه والتصوف والحضارة الإسلامية
- إنها مدينة هرر، المدينة التي يصفها عدد من المؤرخين والتقاليد الإسلامية بأنها من أقدس مدن الإسلام في إفريقيا، بل ويطلق عليها بعضهم “رابع مدينة مقدسة في الإسلام” بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس
بقلم / د. منصور مالك
مملكة الحب — لندن
في أعماق شرق إثيوبيا تقف مدينةٌ إسلامية عريقة يكاد كثيرٌ من المسلمين في العالم لا يعرفون عنها شيئًا، رغم أنها كانت عبر قرون طويلة مركزًا عظيمًا للعلم والروحانية والقرآن والفقه والتصوف والحضارة الإسلامية. إنها مدينة هرر، المدينة التي يصفها عدد من المؤرخين والتقاليد الإسلامية بأنها من أقدس مدن الإسلام في إفريقيا، بل ويطلق عليها بعضهم “رابع مدينة مقدسة في الإسلام” بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف.
داخل أسوارها القديمة توجد اثنان وثمانون مسجدًا وأكثر من مئة مقامٍ ومزارٍ تاريخي، وبعض هذه المساجد يعود إلى ما يقارب ألف عام. وعندما يسير الإنسان في أزقتها الضيقة وبين بيوتها الإسلامية القديمة، ويستمع إلى الأذان وتلاوة القرآن، يشعر وكأنه عاد إلى زمن الحضارة الإسلامية الأولى.
هرر ليست مجرد مدينة إفريقية قديمة، بل هي واحدة من أقدم مراكز العلم الإسلامي في القارة الإفريقية. لقد وصلت رسالة الإسلام إلى الحبشة منذ الأيام الأولى للدعوة الإسلامية، عندما أمر النبي محمد ﷺ مجموعةً من أصحابه بالهجرة إلى الحبشة فرارًا من اضطهاد قريش، فاستقبلهم النجاشي العادل ومنحهم الأمان. وهكذا أصبحت إفريقيا أول أرضٍ احتضنت المسلمين خارج الجزيرة العربية.
ومع مرور القرون تحولت هرر إلى مركزٍ عظيم للعلم والتجارة والروحانية الإسلامية في شرق إفريقيا. وتذكر الروايات الإسلامية أن الشيخ أبادير عمر الرضا قدم من الجزيرة العربية مع مئات العلماء والأولياء وطلاب العلم، وأسهموا في تحويل المدينة إلى منارةٍ للقرآن والفقه والذكر والتربية الروحية، ولذلك عُرفت هرر
باسم “مدينة الأولياء”.
وعلى مدى قرون طويلة كانت هرر مركزًا لتعليم القرآن الكريم، والدراسات العربية، والفقه الإسلامي، والتصوف، وحفظ المخطوطات الإسلامية، والتجارة بين إفريقيا والعالم الإسلامي. لقد كانت هذه المدينة جسرًا روحيًا وحضاريًا بين إفريقيا والجزيرة العربية والعالم الإسلامي.
لكن السؤال المؤلم هو: كيف بقيت هذه المدينة العظيمة مجهولةً عند كثيرٍ من المسلمين حتى اليوم؟
إن من أهم الأسباب أن التاريخ الإسلامي الإفريقي لم ينل ما يستحقه من اهتمام، إذ تركزت الدراسات الإسلامية غالبًا حول بغداد ودمشق والقاهرة وإسطنبول والأندلس، بينما بقيت المراكز الإسلامية الإفريقية بعيدة عن الأضواء رغم عمقها الحضاري والروحي. كما أن الموقع الجغرافي لمدينة هرر جعلها معزولة نسبيًا عن المراكز السياسية الكبرى، فحافظت على روحها الإسلامية القديمة لكنها فقدت حضورها العالمي مع مرور الزمن. ثم جاءت التحولات السياسية والاستعمار الحديث لتزيد هذا التراث الإسلامي خفاءً وتهميشًا.
ومع ذلك ما زالت هرر تحتفظ بروحها الإسلامية حتى اليوم؛ فمساجدها القديمة ما زالت قائمة، وحلقات الذكر والتعليم ما زالت حاضرة، والمخطوطات الإسلامية القديمة لا تزال محفوظة بين جدرانها العتيقة. وقد اعترفت منظمة اليونسكو بالقيمة الحضارية الفريدة للمدينة وأدرجتها ضمن قائمة التراث العالمي.
إن هرر ليست مجرد موقعٍ أثري أو مدينةٍ سياحية، بل هي جزءٌ حي من الذاكرة الروحية والحضارية للأمة الإسلامية. واليوم تبرز الحاجة إلى أن يلتفت علماء المسلمين، والجامعات الإسلامية، والمؤرخون، والباحثون، وطلاب العلم، وأهل الفكر والتصوف إلى هذا الكنز الإسلامي المنسي؛ فيعيدوا اكتشاف هرر، ويدرسوا مخطوطاتها، ويحافظوا على مساجدها، ويربطوا علماءها بالعالم الإسلامي، وينقلوا هذا التراث العظيم إلى الأجيال القادمة.
ومن هنا نتوجه بنداءٍ خاص إلى الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي عُرف باهتمامه بالتراث الإسلامي والتاريخ العثماني، أن يولي مدينة هرر اهتمامًا خاصًا، وأن يدعم الجهود الدولية لحماية مساجدها التاريخية ومخطوطاتها وتراثها الإسلامي العريق.
كما نتوجه بنداءٍ صادق إلى الأزهر الشريف وفضيلة شيخ الأزهر للاهتمام بهذا المركز الإسلامي التاريخي، وإعادة إحياء مكانته العلمية والروحية في الوعي الإسلامي العالمي.
في زمنٍ تغرق فيه البشرية في المادية والسرعة وضجيج التكنولوجيا، تذكّرنا مدنٌ مثل هرر بأن الحضارات الحقيقية لا تُبنى بالقوة المادية وحدها، بل بالإيمان والعلم وذكر الله والأخلاق والروحانية والرحمة.
وربما لا تكون إعادة اكتشاف هرر مجرد اكتشاف مدينة منسية، بل إعادة اكتشاف جزءٍ من روح الحضارة الإسلامية نفسها.














