مقالات

الطلاق الصامت

بقلم / د. سارة طه أحمد عثمان
ماجستير علم النفس الشخصية
و باحثة دكتوراه علم النفس

الزواج ليس مجرد إرتباط إجتماعي أو عقد قانوني. بل هو علاقة انسانية عميقة تقوم على اسس من الحب والاحترام والتفاهم والمشاركة الحقيقية. هو رحلة يختار فيها الانسان شريك دربه ليكون له سندا ورفيقا ومكملا. فيفرح لفرحه ويحزن لحزنه ويحتويه حين تضيق به الحياة.

ولهذا فإن اختيار شريك الحياة لا ينبغي أن يكون قرارا عابرا أو خاضعا لضغوط المجتمع أو لاملاءات العادات. بل يجب أن ينبع من وعي ناضج وادراك صادق لمفهوم القيم التي يعيشها الانسان لا تلك التي يرددها فقط. فالقيم لا تقال بل تعاش. وتلك القيم هي ما يشكل البوصلة الداخلية للفرد. فتقوده في اختياراته. وتمنحه الوضوح في علاقاته. واهمها الحب. والشغف. والحرية. والنمو. والطمأنينة. والقبول. والتقدير. والدفء الانساني.

وفي المقابل. هناك قيم سلبية ينفر منها الانسان بطبيعته. مثل الشعور بالذنب أو الاهمال أو الرفض. الوحدة. القلق. غياب التقدير. والالم النفسي الناتج عن نقص الفهم أو الاحتواء.

ان هذا الوعي بمنظومة القيم. ما يسعى اليه الانسان وما يتجنبه. هو ما يصنع الفارق في اختيار شريك الحياة. فحين يكون الاختيار قائما على وعي داخلي بالقيم. يصبح الزواج علاقة نمو وتكامل. لا علاقة عبء وتكرار لتجارب الآخرين.

ولكن. رغم هذا الادراك. قد تنشأ في العلاقات تحديات صامتة لا تلبث أن تلتهم جوهر الحياة الزوجية. دون أن تعلن طلاقا رسميا أو تفككا قانونيا. انها ظاهرة الطلاق الصامت.

الطلاق الصامت هو حين يظل الزوجان تحت سقف واحد. لكن بلا دفء. بلا احتواء. بلا مشاركة حقيقية. يعيشان معا ظاهريا. لكن قلبيهما متباعدان.. وقد تفرض هذه الحالة لأسباب اجتماعية أو من أجل الأبناء أو لتجنب نظرات المجتمع. لكنها تبقى طلاقا فعليا دون أوراق رسمية.

من أسباب هذا الطلاق الصامت اختلال الادوار داخل المنزل. حين يتربى الطفل الذكر في بيئة مشوهة تنشئة. تنزع عنه ملامح الرجولة السوية. وتنقل اليه سلوكا انثويا مضطربا. فيكبر وهو يبحث عن احتواء مبالغ فيه. ويسقط دور القوامة والمسؤولية. ويترك العبء النفسي والمادي للزوجة. فيخلط بين الاحتواء والتواكل. وبين الدعم والاعتماد الكلي.

وهنا تصطدم المرأة بطبيعتها الفطرية.. فبطبعها تحب أن تغمر. لا أن تكون هي من تغمر. تحب أن تحتضن. لا أن تحتضن وحدها. تريد رجلا يملأ حياتها عاطفيا وماديا وجنسيا. لا أن تتحول الى بديل أبوي لرجل فقد هويته.

وحين تقدم الزوجة دعما عاطفيا صادقا. وقد يكون حتى ماديا أحيانا. يساء تفسير نواياها. ويتهم احتواؤها بأنه سيطرة. ويقرأ حنانها كأنانية. فتتراكم الفجوات. وتتسع الهوة. وتولد الوحدة من رحم العلاقة. حتى لو كانت الزوجة وسط بيتها وأولادها. فتشعر بالفراغ وكأنها تعيش غريبة بين أهلها.

وفي ظل هذا الصمت العاطفي. يصاب التوازن النفسي بين الطرفين بالخلل. يغيب الحوار. يتلاشى التفاهم. وتغلق الأبواب على مشاعر مكبوتة وآلام لا تقال.

لذلك. لا بد أن يعيد الزوجان بناء جسور التواصل بينهما. أن يخصصا وقتا يوميا للحوار الصادق. لا للعتاب أو الاتهام. بل للفهم والمشاركة. أن يعود كل منهما الى ذاته ليعرف ما يريد. وما يحتاج. وما يخشاه. فالحياة الزوجية ليست ساحة معركة. بل حضن دفء. وسكن للنفس. ومكان للنمو المشترك.

الزواج ليس مجرد أن نبقى معا.. بل أن نعيش معا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى