مقالات

دكتور محمد كامل الباز يكتب:

(رسالة من الفاروق لكل متنور: من أين جئت بكل تلك الثقة أنك على حق وفي جنة الفردوس؟)

قرأت مقالاً لأحد المتنورين المقررين علينا في وسائل الإعلام والتواصل كل يوم، يتهكم فيه على الحجامة، ثم أكمل بسخرية فجة عن حديث الذبابة، ثم أخذ يتمادى في استظرافه السمج ليتحدث عن التيمم ويسخر من التراب.

في كل كلامه في المقال يحلف “بالطلاق تلاتة” أنه لا يوجد إعجاز في القرآن (الرجل مسلم على فكرة!)، يسمع قصة عن مريض شُفي بالعسل إلا ويجن جنونه ويؤكد أن هذا كله “كلام فاضي” رغم أنه ذُكر واضحاً في القرآن، يتهكم علانية على الأحاديث الصحيحة الثابتة والقرآن الكريم، ثم أجد نفس الكاتب وهو يتكلم عن حياته ويؤكد أنه يعيش سعيداً في طمأنينة، راضياً عن نفسه، يفخر بما يفعله، بل يعيش واثقاً من رضاء الله عليه في الدنيا والآخرة، فهو يتعلل بأن الله رحيم جداً لن يعذب أحداً.

بعد متابعتي لهذا المتنور، وجدت أمامي قصة غريبة وعجيبة لم أكن أنتبه لها من قبل، وهي مقتل الفاروق عمر -رضي الله عنه-. عندما طُعن عمر -رضي الله عنه- من قبل الهالك أبي لؤلؤة المجوسي، إذ بالفاروق يتأكد من دنو الأجل، وعلى الفور يطلب ابنه عبد الله. كان الفاروق خائفاً أشد الخوف، وأكد بسرعة أنه يطلب حذيفة بن اليمان (الصحابي الذي أعطاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- أسماء المنافقين). الدماء تجري من خاصرته، الفاروق يقترب من الموت، لماذا يطلب حذيفة بهذه الطريقة العاجلة؟ عندما حضر، كان سؤال الفاروق واضحاً ومحدداً: (هل كتبني رسول الله عندك من المنافقين؟).

الموضوع سر، ولكن رجاء الفاروق كان غريباً لدرجة أن حذيفة دمعت عيناه وقال: “والله ما ذكرك عندي من المنافقين”. الحمد لله، من الطبيعي أن يموت عمر الآن قرير العين فقد زال الخوف، لا والله، فبقدر القرب من الله والتقوى يكون القلق والخوف (كلما كان الطالب مجتهداً طول العام، كلما كان قلقاً قبل الامتحان). نادى ابنه مرة أخرى وقال له: “أريد أن أُدفن بجوار رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، اذهب لعائشة أم المؤمنين، ولا تقل لها أمير المؤمنين، بل قل عمر يستأذنك -أنت صاحبة البيت- أن يدفن بجوار صاحبيه”.

عندما استأذنها وافقت أم المؤمنين، وعاد له عبد الله يبشره أنها وافقت. يتبقى شيء واحد يا بني -والكلام للفاروق-: “إن حملتني وصليت عليّ، انظر إلى حذيفة، فقد يكون راعني القول لأني على فراش الموت؛ إن صلى عليّ حذيفة فاحملني تجاه بيت رسول الله، واستأذن أم المؤمنين مرة أخرى، فقد تكون استحييت مني، فإذا أذنت مرة أخرى فخير، وإن لم تأذن فادفني في مقابر المسلمين!!”.

ما هذا الذي أسمعه؟ هل هذا كلام حقيقي؟ الرواية صحيحة وتأكدت من كافة مصادرها. ما هذا الطراز من البشر؟ عمر الذي ملأ الأرض عدلاً وقسطاً يخشى على نفسه النار! عمر الذي أتعب الحكام من بعده، وجعل العدل لهم كلمة صعبة المنال، يخشى النفاق! عمر الذي ذكره المصطفى في حديث صحيح أنه في الجنة، يستحلف حذيفة إن لم يكن من المنافقين! حاكم أوصل حدود دولته للفرس شرقاً والروم غرباً يستأذن من السيدة عائشة أن يدفن جوار صاحبه، ويؤكد على ابنه أن يتحرى أنها راضية عن ذلك بعد موته، وإلا يدفنه في مقابر المسلمين.

هذا الرجل يخشى عذاب الله؛ من صاحب المصطفى في الهجرة وكان أحد وزرائه المخلصين لم يضمن لنفسه الجنة، من شارك في المعارك الفاصلة وعرّض نفسه للموت في سبيل الله يخشى أن يكون حذيفة جامله، فيوصي بمتابعة حذيفة بعد موته هل يصلي عليه أم لا! هذا العملاق يوجه رسالة لمن لا يركع لله إلا في المناسبات: من أين ضمنت رضا الله؟ هذا العظيم يتساءل لمن يجهر بمعاداة الدين ويعلن أنه لا يصلح لحياتنا الآن: من أين جئت بكل تلك السعادة والثقة في دخول الجنة؟ هذا المُبشر بالجنة يسأل من يسخر من آيات القرآن الكريم وتعاليم الرسول: كيف تنام غامض الجفن مستريح البال؟
إذا كان الفاروق قد خاف من النفاق وظن أنه أغضب الله قيراطاً،
أليس من الأولى أن نخاف نحن أربعة وعشرين قيراطاً ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى