رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مريم إبنة عمران عليها وعلى إبنها أفضل الصلاة والسلام
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
و رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
يقول الله تعالى في محكم آياته (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) يوسف 11 ، ويقول سبحانه (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )الاعراف 176 ، وقال الله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (33 ) :(37) آل عمران
ونتعرض من خلاله هذه الايات ،لقصة مريم ابنة عمران ، عليها وعلى ابنها أفضل الصلاة والسلام ،هذه السلالة الطيبة ، التي اصطفاها الله واختارها من بين خلقه ، حيث قال وقوله الحق (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) آل عمران 33 ،وعمران هذا هو والد مريم عليها السلام ، فقد تزوج عمران امرأة مؤمنة صالحة ، اسمها (حنة ) ، وهذه المرأة حرمت في بداية حياتها من نعمة الولد ، فقيل أنها رأت يوما طائرا يزق فرخا له ، فاشتهت الولد ، فنذرت لله ، إن هي حملت ، لتجعلن ولدها محررا ( أي عتيقا وخالصا من شواغل الدنيا لخدمت بيت الله المقدس ، منقطعا للعبادة فيه ) ، وكأن باب السماء كان مفتوحا ، فقد استجاب الله دعاءها ، وحقق لها أمنيتها ، فأحست بعد أسابيع بعلامات الحمل ، فملأت الفرحة قلبها ، واشرقت الابتسامة على وجهها ، وخرت ساجدة لله تعالى حمدا وشكرا وعرفانا ، وحين رفعت رأسها من سجودها ، قالت : (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)آل عمران 35 ، ومرت الأيام والشهور ، والجنين ينمو في بطنها ، والسعادة تملأ حياتها ، وتنتظر اليوم الذي ترى فيه وليدها ، وقد كانت تتمناه ولدا ذكرا ، ليقوم بخدمة بيت الله ، وجاء أوان الوضع ، فوضعت حملها ، وكان المولود أنثى ، قال تعالى (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) مريم 36 ، أي : وليس الذكر كالأنثى في خدمة البيت ، والقيام بشئونه ، والتفرغ لمهامه ،، (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ) وقالوا :أن كلمة مريم تعني (العابدة والمتبتلة ) ثم سألت الله سبحانه وتعالى أن يحفظها من السوء ، وأن يقيها من همزات الشياطين فقالت : (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) ، فاستجاب الله دعاءها ، وتقبل منها نذرها ، قال تعالى (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) ،وفي صحيح البخاري، مسند الإمام أحمد (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – رضى الله عنه – أَنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ « مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلاَّ وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ ، إِلاَّ مَرْيَمَ وَابْنَهَا » . ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) ، حملت مريم في لفائفها ، وخرجت بها أمها إلى المسجد ، فسلمتها للعباد المقيمين فيه ، فتنازعوا فيما بينهم ، الكل يريد أن ينال شرف تربيتها ، وثواب كفالتها وخدمتها ، فقال لهم زكريا ، أنا زوج خالتها ، وأنا أحق بالرعاية والكفالة ، فأجابوه : لنقترع ، ثم ذهبوا إلى النهر ، وألقوا أقلامهم فيه ( وهي أنواع من خشب صغير ،عليها اسم كل واحد منهم ) ، فغرقت الأقلام جميعا في قعر النهر ، ما عدا قلم زكريا ، فسلموها له ، قال تعالى (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) آل عمران 44 ،وتمر الأيام ، ومريم تتألق نورا وتتوهج ضياء ، فلما بلغت مبلغ النساء ، ابتنى لها زكريا مكانا ومحرابا ، جعله مأوى لها ، ومقاما تتعبد فيه ، لا يدخل فيه أحد سواها ، وتتفرغ فيه للعبادة والتبتل للواحد الأحد ، قال تعالى (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) آل عمران 42 ، 43 ، هكذا كانت مريم تعبد الله ليلا ونهارا ، فهو أنيسها في وحدتها ، وجليسها في خلوتها ، يرزقها إذا جاعت ، ويسقيها إذ ا عطشت ، فمن يتوكل على الله فهو حسبه ، ومن يتوكل على الله يجعل له من أمره يسرا
: فقد كان زكريا عليه السلام يستأذن عليها ، ويزورها بين الحين والحين ، فرأى شيئا غريبا ، قال تعالى (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا) آل عمران 37 ، نعم ، وجد عندها طعاما وشرابا ، بل قالوا : (أنه كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف) .















