بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي ورئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن الحنين إلى الماضي ظاهرة إنسانية
مما لاشك فيه أن الحنين ليس مجرد عاطفة عابرة، بل هو صرخة الروح ، ومحاولة العودة إلى “الفطرة الأولى” حيث كانت الأشياء أكثر بساطة وأكثر صدقًا.
والحنينُ إلى الماضي ظاهرةٌ إنسانيّةٌ عميقة، تتجاوز كونها مجرّد ذكرياتٍ عابرة، لتصبح حالةً نفسيّةً ووجدانيّةً وسلوكيّة، يتداخل فيها الشعورُ بالأمان، والبحثُ عن الطمأنينة، والهروبُ من قلق الحاضر، والخوفُ من المجهول.
وقد أصاب هذا الحنينُ كلَّ تفاصيل الحياة: الطعام، والشراب، والنوم، والحب، والتربية، والإعلام، واللغة، والعلاقات، وحتى الدين والتديُّن.
والإسلامُ لم يُلغِ الحنين، ولم يُقدِّسه مطلقًا، بل هذَّبه وضبطه ووجَّهَه؛ ففرَّق بين حنينٍ محمودٍ يُعين على الثبات، وحنينٍ مذمومٍ يُقعِد عن العمل.
سنبحر في ثلاثين مثالاً تفصيلياً تشرح لماذا نشتاق للقديم في كل شيء.
أولًا: الحنينُ إلى الماضي… تعريفه وضبطه الشرعي
● الحنين لغةً: الشوقُ الممزوجُ بالحزن.
● واصطلاحًا: تعلُّقُ القلب بزمنٍ مضى، واستحضاره بوصفه زمنًا أفضل، سواءٌ كان كذلك أم لا.
● الميزان الشرعي للحنين:
• إن أعان على الشكر والاعتبار: فهو محمود.
• وإن أورث التذمُّر وترك العمل: فهو مذموم.
قال الله تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
(سورة يوسف، الآية 111)
ثانيًا: الجذور النفسية والإنسانية للحنين
● الخوف من تسارع الزمن.
● فقدان البساطة واليقين.
● كثرة الضغوط وتعقُّد الحياة.
قال تعالى:
﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾
(سورة النساء، الآية 28)
وليعلم الانسان أن مرده إلى الله ولذا يجب أن يكون غريبا في الحياة .
قال ﷺ:
«كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»
ثالثًا: ثلاثون مثالًا حيًّا للحنين إلى الماضي .
أولاً: الحنين إلى القيم والروابط الروحية (الجذر النفسي)
● الفطرة والأصل الأول:
إن جوهر الحنين هو رغبة الإنسان في العودة إلى حالة النقاء التي خلق عليها، فكل ما هو قديم يذكرنا بالفطرة النقية والبراءة والارتباط بالأرض قال تعالى: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ٣٠﴾ [الروم: 30].
● الحنين إلى الجيرة والستر:
كنا قديماً نعيش في بيوت متلاصقة، والقلوب أكثر تلاصقاً.
• عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال: «ما زال جبريلُ يوصيني بالجارِ حتَّى ظننتُ أنَّه سيورِّثُه» (رواه البخاري).
ثانياً: الحنين في المآكل والمشارب (طعم البركة)
● خبز الدار والفرن البلدي:
نشتاق لرائحة الخبز التي كانت تملأ الزقاق، وهي رائحة لا يضاهيها أفخر المخابز الحديثة لأنها كانت تُصنع بذكر الله وتعب الأمهات.
• ﴿فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا١٩﴾ [الكهف: 19]. إن البحث عن “الأزكى” هو لب الحنين للطعام الطبيعي.
● الأكل الجماعي (الصحفة الواحدة):
كانت البركة تحل حين تجتمع الأيدي على طبق واحد، وهو ما يفتقده إنسان اليوم الذي يأكل وحده منشغلاً بهاتفه.
• وفي الحديث : أنَّ أصْحابَ النبيِّ ﷺ قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّا نَأْكُلُ ولا نَشْبَعُ، قالَ: «فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟» قالوا: نَعَمْ، قالَ: «فاجْتَمِعُوا على طَعامِكُمْ، واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عليه، يُبارَكْ لَكُمْ فيه»
● شرب الماء من “القُلّة” و”الزير”:
كان للماء برودة طبيعية وطعم مستمد من الطين، يذكرنا بأصل خلقتنا.
● طعام “الولائم” الشعبية:
تلك التي كانت تُطبخ في قدور كبيرة في الشوارع، حيث يطعم الغني والفقير والمار.
ثالثاً: الحنين في النوم والراحة (سكون النفس)
● النوم على السطوح وفي الفناء:
حيث كان المرء ينام وعينه في السماء، يتأمل النجوم ويشعر بعظمة الخالق.
• قال تعالى : ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا٤٧﴾ [الفرقان: 47].
● القيلولة الهادئة:
التي كانت سنة اجتماعية وصحية، قبل أن يلتهم العمل الحديث وقت الإنسان.
• وقد قيل : «قِيلوا، فإنَّ الشَّياطينَ لا تَقيلُ»
● بساطة الفراش:
نشتاق لليالي التي كان فيها الفراش بسيطاً من القطن، والبال خالياً من الهموم، بعيداً عن ضجيج الأجهزة.
رابعاً: الحنين في الحب والعلاقات (الوفاء القديم)
● الحب العذري والمكاتيب الورقية:
حيث كانت الكلمة تخرج بصدق، وتكتب بماء القلب، وتنتظر لأسابيع.
• قال تعالى : ﴿وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌ٦٣﴾ [الأنفال: 63].
● توقير الكبار في العائلة:
كانت “الجدة” هي محور البيت، والحنين لقصصها هو حنين للحكمة والدفء.
• قال ﷺ: «ليس منَّا مَن لَم يرحَمْ صغيرَنا، ويوقِّرْ كبيرَنا»
● الصداقة التي لا تشوبها المصالح:
أصدقاء “الكتاتيب” والحارة الذين لا تفرقهم الأيام.
خامساً: الحنين في الإعلام والصوتيات (زمن الإذاعة)
● صوت المذياع في الصباح:
حين كانت الأسرة تجتمع على إذاعة القرآن الكريم أو الأخبار، حيث للكلمة قيمة وللصوت هيبة.
● تلاوات القراء القدامى:
الذين كانت حناجرهم تصدح بالإخلاص قبل التجويد، أمثال الحصري والمنشاوي ومصطفى إسماعيل.
● الدراما الإذاعية:
التي كانت تنمي الخيال، فترسم أنت المشاهد بعقلك لا بعينك.
سادساً: الحنين في الشارع والعمارة (جمال البناء)
● البيوت ذات “المشربيات” و”الحوش”:
التي كانت تحفظ الخصوصية .














