مقالات

دكتورة نرمين توكل تكتب : بيئة العمل الإيجابية ودور القيادة في صناعة القيمة المستدامة


​لم يعد العمل في المفهوم الحديث مجرد وظيفة تُؤدى أو مهام تُنجز، بل أصبح بيئة متكاملة تتشكل فيها شخصية الإنسان المهنية، وتتبلور من خلالها قيمُه، ويتحقق عبرها إحساسه بالمعنى والتأثير؛ فحين يعمل الفرد في مجال يحبه، ويشعر بأن وجوده مُقدَّر، يتحول العمل من التزام يومي إلى مساحة للإبداع والعطاء الحقيقي، مصداقًا لمقولة: «عندما يشعر الإنسان بقيمته، يمنح أفضل ما لديه دون أن يُطلب منه». وهذا الإحساس بالقيمة هو المحرك الأساسي للطاقة الإيجابية، فالتقدير الصادق لا يرفع فقط من مستوى الرضا الوظيفي، بل ينعكس مباشرة على جودة الأداء، ويدفع الفرد إلى التفكير بمرونة، والبحث عن حلول مبتكرة، والسعي المستمر لتطوير أساليب العمل وتحسينها.

​هذا الشغف المتولد عن الحب للعمل يجعل من التعلم مسارًا ذاتيًا لا واجبًا مفروضًا، فتتحول الرغبة في التحسين إلى ثقافة راسخة تنعكس على الأداء الفردي والمؤسسي معًا، إيمانًا بأن «الشغف بالعمل هو البوابة الأولى للإبداع». ومن هذا المنطلق، يبرز أن القيمة الحقيقية للفرد لا تُقاس بالمناصب ولا تُصنع بالمسميات الوظيفية التي قد تتغير بتغير المواقع، بل تكمن في الأثر المستدام؛ فالإنسان المتميز هو من يمنح أي مكان يعمل فيه قيمة مضافة، ويضفي على أي دور يؤديه معنى وفاعلية، بغض النظر عن حجمه أو موقعه في الهيكل التنظيمي، لأن «القيمة لا يمنحها المنصب، بل يصنعها الأداء».
​وكم من أدوار بدت بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت جوهرية في صناعة النجاح، مما يؤكد أن التميز يرتبط بجودة العطاء والقدرة على بناء الثقة، وهنا تبرز أهمية القيادة الواعية التي تدرك أن الإنسان هو الركيزة الأساسية لأي نجاح. فالقيادة الإيجابية لا تركز فقط على إدارة المهام، بل تسعى لبناء بيئة صحية يشعر فيها الأفراد بالأمان المهني والاحترام، فـ «القيادة الحقيقية لا تُدار بالأوامر، بل تُبنى بالثقة». والقائد الملهم هو من يرى في كل فرد طاقة كامنة، فيشجع التعلم المستمر ويحتفي بالجهد، ويتعامل مع الخطأ كفرصة للنمو، لتتحول بيئة العمل في ظله إلى مساحة آمنة للتطوير.

​وعندما تتكامل هذه القيادة الواعية مع أفراد يؤمنون بقيمة ما يقدمونه، تتشكل ثقافة قائمة على التعاون والسعي المشترك، حيث لا يكون النجاح إنجازًا فرديًا، بل مسؤولية جماعية. إن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يكمن في الإنسان نفسه؛ في إحساسه بأن ما يقدمه يحدث فرقًا، وفي قيادة تُدرك أن التميز لا يُفرض، بل يُستخرج. فعندما يُصان جوهر الإنسان ويُقدّر عطاؤه، يصبح الإبداع تلقائيًا، وتتحول الجهود إلى قيمة مستدامة تنعكس نفعًا على الفرد والمؤسسة والمجتمع، فـ «عندما تُصان قيمة الإنسان… يزدهر العمل، ويستدام النجاح».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى