بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف مؤسس ورئس اتحاد الوطن العربي الدولي ورئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه ليلة النصف من شعبان
نَسْتَقْبِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، لَيْلَةَ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ، وَهِيَ لَيْلَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ لَيَالِي الرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ، خَصَّهَا اللَّهُ تَعَالَى بِكَرَامَاتٍ وَمِنَحٍ جَلِيلَةٍ، حَيْثُ يَتَجَلَّى فِيهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عِبَادِهِ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، وَمِنْ فَضَائِلِهَا:
إِنَّهَا لَيْلَةُ الْعَفْوِ الْعَامِّ، لَيْلَةُ مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ ، إِلَّا ذَنْبَ الشِّرْكِ، وَذَنْبَ الشَّحْنَاءِ وَالْخُصُومَةِ. فَاللَّهُ يَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا صِنْفَيْنِ حُرِمُوا مِنْ هَذَا الْفَضْلِ: الْمُشْرِكُ وَالْمُشَاحِنُ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْه-، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلّى الله عليه وسلّم- قَالَ: (( إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ )). رواه ابن ماجه وحسنه الألباني في صحيح الجامع.
وَقَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَطَّلِعُ» أَي: يَتَجَلَّى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ تَجَلِّيَ رَحْمَةٍ وَإِحْسَانٍ،
«فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ» مَغْفِرَةً عَامَّةً وَاسِعَةً، تَشْمَلُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ،
«إِلَّا لِمُشْرِكٍ» أَي: كَافِرٍ بِاللَّهِ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: «أَوْ مُشَاحِنٍ» فَالْمَقْصُودُ بِهِ: صَاحِبُ الشَّحْنَاءِ وَالْبَغْضَاءِ، الَّذِي يَحْمِلُ فِي قَلْبِهِ عَدَاوَةً وَحِقْدًا عَلَى إِخْوَانِهِ، لَا لِأَجْلِ الدِّينِ، وَإِنَّمَا لِأَهْوَاءِ النَّفْسِ، وَمَطَامِعِ الدُّنْيَا، وَنَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ.
فَاللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الْعَظِيمَةِ يُسَامِحُ عِبَادَهُ فِي حُقُوقِهِ سُبْحَانَهُ، إِلَّا الشِّرْكَ بِهِ، وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ، فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُشَاحَّةِ، فَلَا تُرْفَعُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ، أَوِ التَّحَلُّلِ، أَوِ الْمُصَالَحَةِ، وَإِلَّا أُجِّلَ أَمْرُ أَصْحَابِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
فَالشَّحْنَاءُ تُفْسِدُ الْقُلُوبَ، وَتُمَزِّقُ الصُّفُوفَ، وَتُضِيعُ الْأُخُوَّةَ الْإِيمَانِيَّةَ.
مرقاة المفاتيح
وَقَدْ قِيلَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ،
” وَالْحَدِيثُ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ، وَتَصْفِيَةِ الْأَنْفُسِ مِنْ الْأَحْقَاِد وَالْأَضْغَانِ.
وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَإِزَالَةِ الشَّحْنَاءِ مِنَ النُّفُوسِ وَالْبَغْضَاءِ مِنَ الصُّدُورِ، حَتَّى يَدْخُلَ الْمُسْلِمُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَقَلْبُهُ لَا يَحْمِلُ حِقْدًا وَلَا غِلًّا وَلَا شَحْنَاءَ وَلَا ضَغْنَاءَ عَلَى مُسْلِمٍ، حَتَّى يَدْخُلَ الْمُسْلِمُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَأَرْحَامُهُ مَوْصُولَةٌ، وَقَلْبُهُ خَالٍ إلَّا مِنْ ذِكْرِ رَبِّهِ وَعِبَادَةِ مَوْلَاهُ.
• وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلّى الله عليه وسلّم- قَالَ: (( يَطْلُعُ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيُمْهِلُ الْكَافِرِينَ، وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدْعُوهُ )). رواه ابن أبي عاصم في السنة والطبراني وحسنه الألباني في صحيح الجامع .
▪️وَلَنَا مَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عِدَّةُ وَقَفَاتٍ مُهِمَّةٍ:
● الْوَقْفَةُ الْأُولَى: أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ فِيهَا لِكُلِّ عِبَادِهِ إِلَّا الْمُشْرِكَ:
فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْذَرَ مِنَ الشِّرْكِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ صَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، وَلَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَقَعَ فِيهِ وَهُوَ لَا يَدْرِي، فَإِذَا كَانَ أَبُو الْأَنْبِيَاءِ وَإِمَامُ الْحُنَفَاءِ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الشِّرْكَ، بَلْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى بَنِيهِ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ } [إبراهيم: 35] وَقَدْ بَيَّنَ إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مَا يُوجِبُ الْخَوْفَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ } [إبراهيم: 36]
فَتَفَقَّدْ نَفْسَكَ يَا عَبْدَ اللهِ، وَفَتِّشْ بَاطِنَهَا، فَلَعَلَّكَ أَنْ تَكُونَ مُبْتَلًى بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الشِّرْكِيَّاتِ المُنْتَشِرَةِ فِي الأُمَّةِ، وَلَا تَقُلْ: إِنَّنِي مَحْمِيٌّ مِنَ الشِّرْكِيَّاتِ، لَا يُمْكِنُ أَنْ أقعَ فِيهَا. فَهَذَا غُرُورٌ وَجَهْلٌ مِنْكَ، فَإِذَا كَانَ أَبُو الأَنْبِيَاءِ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، يَسْأَلُ رَبَّهُ أَنْ يُجَنِّبَهُ وَبَنِيهِ عِبَادَةَ الأْصَنْامِ، فَمَاذَا يَكُونُ حَالُكَ ؟
قَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: مَنْ يَأْمَنُ مِنَ الْبَلَاءِ بَعْدَ خَلِيلِ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ. تفسير الطبري .
وَلِهَذَا قَالَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ، فَسُئِلَ عَنْهُ؟ فَقَالَ: الرِّيَاءُ”،حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ).
فَلَا يَأْمَنُ الْوُقُوعَ فِي الشِّرْكِ إِلَّا مَنْ هُوَ جَاهِلٌ بِهِ، وَبِمَا يُخَلِّصُهُ مِنْهُ،
















