دكتورة نرمين توكل تكتب
جائزة مصر للتميز الحكومي.. عبورٌ بالهوية الإدارية نحو آفاق الجمهورية الجديدة
لم يعد مفهوم التميز في العمل الحكومي ترفًا إداريًا أو شعارًا دعائيًا، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة التي تمر بها الدولة المصرية، في ظل التحديات المتسارعة وتزايد تطلعات المواطنين. وفي هذا السياق، تبرز جائزة مصر للتميز الحكومي كأداة محورية ليس فقط لتكريم المتميزين، بل لإعادة صياغة فلسفة العمل داخل الجهاز الإداري للدولة، وتحويل الأداء من جهد فردي إلى ثقافة مؤسسية مستدامة.
وإذا كانت ثقافة التميز في الإدارة المصرية لها جذور ممتدة، فإنها قد شهدت في السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في فلسفتها وأهدافها؛ حيث جاء دعم فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي ليمنح هذا الملف قوة دفع غير مسبوقة
بتوجيهات سيادية واضحة، تحولت الجائزة من مجرد “منافسة سنوية” إلى “مشروع قومي للتطوير المؤسسي” يرتبط ارتباطاً وثيقاً برؤية مصر 2030.
لقد انتقلت الجائزة في العهد الحالي من نطاق “الاحتفاء بالنجاح” إلى نطاق “صناعة النجاح”، عبر الشراكة الاستراتيجية مع دولة الإمارات العربية المتحدة لتبني أرقى المعايير العالمية في التقييم والحوكمة.
ولمن يسعى لاستيعاب فلسفة هذه الجائزة ،فهي ليست مجرد درع أو شهادة، بل هي “منظومة قياس” شاملة تضم فئات متنوعة تشمل المؤسسات والوحدات الخدمية وصولاً إلى التميز الفردي. إنها تعمل على إخضاع الجهاز الإداري لمعايير ترتكز على مدى تحقيق الرؤية، والابتكار، وكفاءة تقديم الخدمات، مما يضمن الانتقال من منطق “الاجتهاد الشخصي” إلى منطق “الإنجاز المؤسسي” القابل للقياس والمساءلة.
إن هذه الفلسفة المتجددة أسهمت في إحداث حراك إيجابي شمل تشجيع التنافسية، ونشر ثقافة التخطيط الاستراتيجي، وتعزيز روح الفريق. وعلى الرغم من أن الجائزة تستهدف المؤسسات، فإن المواطن يظل في قلب هذه المعادلة؛ فتبسيط الإجراءات وتسريع وتيرة الخدمات هي الثمار المباشرة لمنظومة تُكافئ الإبداع.
ومع توالي الدورات، يبقى التحدي الحقيقي كامنًا في ضمان استدامة هذا الفكر وتحويله إلى “نهج يومي” للتنفيذ. إن استدامة التميز تتطلب إرساء ركائز المعايير ضمن القواعد المنظمة للعمل لتصبح جزءًا لا يتجزأ من الهوية التنظيمية. إننا اليوم أمام عهد جديد لا يُقاس فيه النجاح بمرور الوقت، بل بحجم الأثر وصناعة الفارق في حياة جمهور المتعاملين، لتظل جائزة التميز الحكومي بمثابة المنارة التي توجه سفينة الإدارة المصرية نحو ضفاف الجمهورية الجديدة؛ حيث الريادة ليست اختيارًا، بل هي السبيل الوحيد للبقاء والنمو.















