مقالات

الجزء ١٣ ” هناك في شيكاغو”

بقلم / هناء عبيد

موعدٌ معَ الوطنِ
اليوم سيكون لقاءً مختلفًا، هكذا قلت لي. الوقت مرّ بطيئًا بي، وددت أن أعرف أيّة مفاجأة تحملها لي في هذا اليوم. وصلت إلى الكافتيريا، ووجدتك تنتظرني، ومعك حزمة من الورق ملفوفة بشكل أسطوانة طويلة ومربوطة بشرائط بألوان العلم الفلسطينيّ. كما وعدّتني كانت مفاجأة جميلة، حينما فتحتها أدهشتني الرّسومات المتقنة. لم أكن أعلم بأنّ لك ريشة مرهفة الحسّ. شعرت كأنّني أقرؤك في كلّ خطّ ولون. كلّ لوحة تتحدّث بلسانك الّذي يقطر حبًّا وتمسّكًا بالجذور، تحمل أصالةً عربيّةً، وعشقًا غريبًا للأرض. لم تخلُ من شجرات التّين والزّيتون وبراري الدّحنون والكوفيّة، وثوب جدّتي وجدّتك. كلّ رسمة تشبهك تمامًا، وتتحدّث عن حكاياتك في القرية، وولعك بالمعول. لاحظت حينها المفتاح الّذي يقبض عليه الرّجل العجوز المجعد الجبين الّذي كان يلازم توقيعك في كلّ لوحة. في كلّ لقاء لنا كنت تفاجئني بحديث يلفّني بقشعريرة سعادة وانتعاش، أسترجع فيه معك ذكريات طفولتي في أزقّة القدس وحاراتها العتيقة وشقاوتنا البريئة، حتّى أشهى الأكلات الفلسطينيّة ذقتها معك؛ المقلوبة والمسخّن والقدرة. أصبحت لي الوطن الّذي افتقدته منذ نعومة أظفاري، والحضن الّذي أشعر فيه بكلّ أمان. في كلّ لقاء بك كنت أحاول أن أستعرض مهارتي وفراستي في قراءة الوجوه والأشخاص. جعلتك محطّ دراستي وملاحظاتي، ترى إن علمت ذلك فهل كنت ستغضب؟ لا أظنّ ذلك، فمتابعتي لك أمر مختلف. لم أكن أتحدّى نفسي ومهارتي معك، بل كنت أشعر بأنّني أغوص في روحك. بتّ محور كلّ تفكيري، أخترق أعماقك من خلال ملامحك وعباراتك وسلوكك، وأقارن ذلك بتقويمي لك منذ أن رأيتك أوّل مرة. صدّقني، لم تختلف كثيرًا عن انطباعي الأوّل عنك، ربّما أضفت لي بعض تفاصيل حياتك لا أكثر، أمّا روحك فلم تتغيّر في كلّ لقاءاتي المتعدّدة بك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى